الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٦ - الوعد بعودة النّبي إلى حرم اللّه الآمن
الآية تتحدث عن النّبي- هنا- و تخاطبه وحده. و وجود هذه الآية بعد الآية التي تتحدث عن الثواب و الجزاء في يوم القيامة، لا دلالة فيها على هذا المعنى، بل على العكس من ذلك، لأنّ الآية السابقة تتحدث عن الانتصار في الدار الآخرة، و من المناسب أن يكون الحديث في هذه الآية عن الانتصار في هذه الدنيا.
أمّا الآية التالية فتتحدث عن نعمة أخرى من نعم اللّه العظيمة على النّبي صلّى اللّه عليه و آله فتقول: وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [١].
كان كثير من الناس قد سمعوا بالبشارة بظهور الدين الجديد، و لعل طائفة من أهل الكتاب و غيرهم كانوا ينتظرون أن ينزل عليهم الوحي و يحمّلهم اللّه هذه المسؤولية، و لكنّك- أيّها النّبي- لم تكن تظن أنّه سينزل عليك الوحي وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ .. إلّا أن اللّه رآك أجدر بالأمر، و أن هذا الدين الجديد ينبغي أن ينتشر و يتسع على يدك في هذا العالم الكبير!.
و بعض المفسّرين يرون هذه الآية منسجمة مع آيات سابقة كانت تتحدث عن موسى عليه السّلام، و تخاطب النّبي- أيضا- كقوله تعالى: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ .. وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ... وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ.
فعلى هذا يكون المقصود بالكتاب هنا هو قصص الأنبياء السابقين .. إلّا أن هذا التفسير لا منافاة فيه مع التفسير المتقدم! بل يعدّ قسما منه في الواقع!.
ثمّ يضيف القرآن في خطابه للنّبي صلّى اللّه عليه و آله أن طالما كنت في هذه النعمة فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ.
و من المسلّم به أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن ظهيرا للكافرين أبدا، إلّا أن الآية جاءت في مقام التأكيد على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بيان المسؤولية للآخرين، و أن
[١]- قال بعضهم: إن «إلّا» هنا تفيد الاستثناء، فاضطروا إلى أن يقولوا بحذف كلمة و التقدير لها من عندهم و هو تحكّم ... إلّا أن البعض الآخر فسّر «إلّا» بمعنى «لكن» و أنّها تفيد الإستدراك، و هذا الوجه أقرب للنظر! ...