الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٦ - ذريعة للفرار من الحق
قومه فيقول: إنّنا و قبل أن نرسل إليهم رسولا إذا أردنا إنزال العذاب عليهم بسبب ظلمهم و سيئاتهم قالوا: لما ذا لم ترسل لنا رسول يبيّن لنا أحكامك لنؤمن به وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [١].
هذه الآية تشير إلى موضوع دقيق، و هو أن طريق الحقّ واضح و بيّن ... و كل «عقل» حاكم ببطلان الشرك و عبادة الأصنام .. و قبح كثير من الأعمال التي تقع نتيجة الشرك و عبادة الأصنام- كالمظالم و ما شاكلها- هي من مستقلات حكم العقل، و حتى مع عدم إرسال الرسل، فإنّ العقوبة على مثل هذه الأمور ممكنة.
و لكن اللّه سبحانه حتى في هذا المجال و مع وضوح حكم العقل فيه أرسل الرسل مع الكتب السماوية و المعاجز الساطعة، إتماما للحجّة و نفيا للعذر، لئلا يقول أحد: إنّما كان شقاؤنا بسبب عدم وجود الدليل، إذ لو كان فينا قائد إلهي لكنّا من أهل الهداية و من الناجين.
و على كل حال فإنّ هذه الآية من الآيات التي فيها دلالة على لزوم اللطف عن طريق إرسال الأنبياء و الرسل! و تدل على أن سنة اللّه قائمة على عدم تعذيب أية أمة قبل إرسال الرسل إليها، و نقرأ في سورة النساء الآية (٦٥) أيضا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.
ثمّ تتحدّث الآيات عن معاذير أولئك، و تشير إلى أنّهم- بعد إرسال الرسل- لم يكفّوا عن الحيل و الذرائع الواهية، و استمروا على طريق الانحراف، فتقول الآية: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى.
[١]- يصرّح كثير من المفسّرين أنّ جواب «لولا» الأولى محذوف و تقديره «لما أرسلنا رسولا» أو «لما وجب إرسال الرسل» .. و بديهيّ أنّ التعبير الثّاني أكثر دقّة و وضوحا .. و على كل حال فهذا الكلام مربوط بأحكام يدركه العقل مستقلا .. و إلّا فإن إرسال الرسل ضروريّ بدلائل أخرى، على أنّ واحدا من فوائد إرسال الرسل- أيضا- هو تأكيد الأحكام العقلية كبطلان الشرك و قبح الظلم و الفساد .. «فلاحظوا بدقّة».