الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٣ - الأخبار الغيبيّة هي من عند اللّه وحده
و على العكس من ذلك مسير بني إسرائيل حين جاءوا من مصر إلى الشام و مرّوا عن طريق سيناء، فإنّهم يتجهون بمسيرهم من الغرب نحو الشرق .. و لذلك يرى بعض المفسّرين أنّ المراد من الآية [٦٠] فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ في سورة الشعراء التي تتحدث عن متابعة فرعون و قومه لبني إسرائيل، هو إشارة إلى هذا المعنى! ثمّ يضيف القرآن وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ و تقادم الزمان حتى اندرست آثار الأنبياء و هدايتهم في قلوب الناس، لذلك أنزلنا عليك القرآن و بيّنا فيه قصص الماضين ليكون نورا و هدى للناس.
ثمّ يضيف القرآن الكريم وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ [أي على أهل مكة] آياتِنا [١] وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ .. و أوحينا إليك هذه الأخبار الدقيقة التي تتحدث عن آلاف السنين الماضية .. لتكون عبرة للناس و موعظة للمتقين [٢].
و تأكيدا على ما سبق بيانه يضيف القرآن الكريم قائلا: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ [٣] إِذْ نادَيْنا اي نادينا موسى بأمر النبوّة، و لكننا أنزلنا إليك بهذه الاخبار رحمة من اللّه عليك وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.
و خلاصة الكلام: أنّ اللّه أخبرك يا محمّد بالحوادث التي فيها إيقاظ و إنذار لما جرى في الأقوام السابقين، و لم تكن فيهم من الشاهدين، لتتلو كل ذلك على
[١]- «ثاوي» مشتق من (ثوى) و معناه الإقامة المقرونة بالاستقرار، و لذا سمّي المستقر و المكان الدائم بالمثوى.
[٢]- كان بين ظهور موسى عليه السّلام و ظهور النّبي (محمّد) صلّى اللّه عليه و آله حدود ألفي عام.
[٣]- قال بعض المفسّرين: يحتمل أن يكون المراد من «نادينا» هنا هو النداء الثّاني عند ما جاء موسى و سبعون رجلا من قومه إلى الطور، فجاءه النداء من اللّه، و لكن هذا الاحتمال بعيد جدا؛ لأنّ هذه الآيات تشير إلى المسائل التي أخبر عنها النّبي في الآيات المتقدمة في حين أنّه لم يكن حاضرا هناك و لم يكن من الشاهدين، و نعرف أن الآيات المتقدمة تتحدث عن حركة موسى من مدين باتجاه مصر، و سماعه النداء من قبل اللّه لأول مرّة في وادي الطور «فلاحظوا بدقة».