الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٦ - الشّرارة الأولى للوحي
أجمل، فانحنى موسى و في يده غصن يابس ليوقده من النّار، فجاءت النّار من ذلك الغصن الأخصر إليه فاستوحش و رجع إلى الوراء .. ثمّ رجع إليها ليأخذ منها قبسا فأتته ثانية .. و هكذا مرّة يتجه بنفسه إليها و مرّة تتجه النّار إليه، و إذا النداء و البشارة بالوحي إليه من قبل اللّه سبحانه.
و من هنا و مع ملاحظة قرائن لا تقبل الإنكار اتّضح لموسى عليه السّلام أنّ هذا النداء هو نداء إلهي لا غير.
و مع الالتفات إلى أنّ موسى عليه السّلام سيتحمل مسئولية عظيمة و ثقيلة .. فينبغي أن تكون عنده معاجز عظيمة من قبل اللّه تعالى مناسبة لمقامه النبوي، و قد أشارت الآيات إلى قسمين مهمين من هذه المعاجز:
الأولى قوله تعالى: وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ.
و يوم اختار موسى عليه السّلام هذه العصا ليتوكأ عليها للاستراحة، و يهشّ بها على غنمه، و يرمي لها بهذه العصا أوراق الأشجار، لم يكن يعتقد أنّ في داخلها هذه القدرة العظيمة المودعة من قبل اللّه. و أن هذه العصا البسيطة ستهز قصور الظالمين، و هكذا هي موجودات العالم، نتصور أنّها لا شيء، لكن لها استعدادات عظيمة مودعة في داخلها بأمر اللّه تتجلى لنا متى شاء.
في هذه الحال سمع موسى عليه السّلام مرّة أخرى النداء من الشجرة أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ.
«الجانّ» في الأصل معناه الموجود غير المرئي، كما يطلق على الحيات الصغار اسم (جان) أيضا؛ لأنّها تعبر بين الأعشاب و الأحجار بصورة غير مرئية ..
كما عبر في بعض الآيات عن العصا ب ثُعْبانٌ مُبِينٌ [سورة الأعراف الآية ١٠٧ و سورة الشعراء الآية ٣٢].
و قد قلنا سابقا: إنّ هذا التفاوت في التعابير ربّما لبيان الحالات المختلفة