الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - المشيئة الالهية تقتضي انتصار
عمران» و «الأعراف».
و علاوة على ذلك كلّه فإنّه يظهر من كثير من الرّوايات في شأن طسم أن هذه الحروف إشارات موجزة عن صفات اللّه سبحانه و تعالى، أو أنّها أماكن مقدسّة .. و لكنّها في الوقت ذاته لا تمنع من ذلك التّفسير المعروف الذي أكّدنا عليه مرارا، و هو أنّ اللّه تعالى يريد أن يوضح هذه الحقيقة للجميع، و هي أنّ هذا الكتاب السماوي العظيم الذي هو أساس التغيير الكبير في تأريخ البشرية و حامل المنهج المتكامل للحياة الكريمة للإنسانيّة يتشكّل من أمور بسيطة كهذه الحروف «ألف باء ...» التي يستطيع أن يتلفظ بها كل صبّي.
و من هنا تتجلى عظمة القرآن و أهميته القصوى، إذ يتألف من هذه الحروف البسيطة التي هي في اختيار الجميع.
و لعل هذا السبب كان داعيا لأن يكون الحديث بعد «الحروف المقطّعة» مباشرة عن عظمة القرآن، إذ يقول: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، و بالرغم من أن الْكِتابِ الْمُبِينِ جاء بمعنى اللوح المحفوظ كما قد ورد في الآية (٦١) من سورة يونس وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ و الآية السادسة من سورة هود كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ و لكنّه جاء بمعنى القرآن في الآية محل البحث بقرينة ذكر «الآيات» و كذلك جملة نَتْلُوا عَلَيْكَ الواردة في الآية التي بعدها ..
و قد وصف القرآن هنا بكونه «مبين» و كما يستفاد من اللغة فإنّ كلمة «مبين» تستعمل في المعنيين «اللازم و المتعدي»، فهو واضح في نفسه و موضّح لغيره، و القرآن المجيد بمحتواه المشرق يميّز الحق عن الباطل، و يبيّن الطريق اللاحب من الطريق المعوّج [١].
و القرآن بعد ذكر هذه المقدّمة القصيرة يحكى قصّة «فرعون» و «موسى» فيقول: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
[١]- و نذكر ضمنا أنّ التعبير ب «تلك» المستعملة للإشارة للبعيد- كما بيّنا سابقا- لبيان عظمة هذه الآيات أيضا ..