الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٩ - عمى القلوب لا يقبلون دعوتك!
فالآيات التالية تجيب على هذا السؤال، فتقول: إذا كان أولئك لا يذعنون للحق المبين، و لا يؤثر في قلوبهم هذا الكلام المتين، فلا مجال للعجب .. ل إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [١].
بل تسمع الأحياء الذين يبحثون عن الحق و أرواحهم توّاقة إليه، أمّا إحياء الموتى- أو موتى الأحياء- لتعصبهم و عنادهم و استمرارهم على الذنب، فلا ترهق فكرك و نفسك من أجلهم و حتى لو كانوا احياء فإنهم صمّ لا يسمعون فلا يمكنهم أن يسمعوا صوتك، و خاصة إذا أداروا إليك ظهورهم و ابتعدوا عنك وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ.
و لعلهم لو كانوا عندك و كنت تصرخ فيهم لبلغت بعض أمواج صوتك إلى مسامعهم، إلّا أنّهم مع صممهم يبتعدون عنك.
كما أنّهم لو كانوا مع هذه الحال يبصرون بأعينهم لاهتدوا إلى الصراط المستقيم، و لو ببعض العلامات، إلّا أنّهم عمي وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ.
و هكذا فقد أوصدت جميع طرق إدراك الحقيقة بوجوههم، فقلوبهم ميتة، و آذانهم صمّ موقرة، و أعينهم عمي! فأنت يا رسول اللّه إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ و يشعرون في أنفسهم بالإذعان للحق.
و في الحقيقة إن الآيتين- آنفتي الذكر- تتحدثان عن مجموعة واضحة من عوامل المعرفة و ارتباط الإنسان بالعالم الخارجي و هي:
«حس التشخيص»، و العقل اليقظ، في مقابل القلب الميت.
«الأذن الصاغية» لاكتساب الكلام الحق، عن طريق السمع.
[١]- قال جماعة من المفسّرين: إن هذه الجملة و الجمل الأخر التي تليها بمثابة الدليل على لزوم توكل النّبي على اللّه و عدم يأسه ... مع أن الظاهر أنّها جواب على سؤال يثار في شأن القرآن و كونه هو «الحق المبين».