الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - لا يضيق صدرك بمؤامراتهم
بالمانع، فلا تصل إلى النتيجة النهائية (فلاحظوا بدقّة)!.
ثمّ يتحدث القرآن في الآية التالية عن هذه الحقيقة: و هي أنّ اللّه إذا لم يعجل في عقابكم، فذلك بفضله و برحمته، حيث يمهل عباده الإمهال الكافي لإصلاح أنفسهم، فيقول: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ.
و إذا كانوا يتصورون أن تأخير العقاب لعدم علم اللّه سبحانه لما يدور في خلدهم من نيات سيئة و أفكار ضالة، فهم في غاية الخطأ: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ [١].
فهو يعلم خفاياهم بمقدار ما يعلم من ظاهرهم و ما يعلنون، و الغيب و الشهادة عنده سيّان.
فهذه المفاهيم هي من نتاج علمنا المحدود، و إلّا فهي في مقابل غير المحدود تفقد معانيها و تتلاشى حدودها.
و هنا ذكر «علم اللّه بما تكنّ القلوب» مقدما على علمه بالأفعال الخارجية، و لعل ذلك هو بسبب أهمية النيات و الإرادة! كما يمكن أن يكون التقديم لأنّ الأفعال الخارجية ناشئة عن النيات الداخلية، و العلم بالعلة مقدم على العلم بالمعلول!.
ثمّ يضيف القرآن قائلا: إنّه ليس علم اللّه منحصرا بما تكن القلوب و ما تعلن، بل علمه واسع مطلق! وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [٢].
و واضح أن «الغائبة» لها معنى واسع، فهي تحمل في مفهومها كلّ ما خفي عن حسّنا و غاب ... و تشمل أعمال العباد الخفية و النيات الباطنية، و أسرار
[١]- «تكنّ» مأخوذ من كنّ على وزن جنّ، و هذا الفعل يطلق على ما تستر فيه الأشياء و تحفظ، و هنا كناية عن ما يخطر في قلوب الكفّار من خواطر و أفكار عدوانية! ..
[٢]- «الغائبة» اسم فاعل مشتق يدل على الوصف، و كما يعتقد بعضهم «التاء» ليست في هذه الكلمة للتأنيث، بل هي إشارة للأشياء المخفية، فهي للمبالغة في الخفاء ... إلا أنّه لا مانع من أن نحتمل أن التاء للتأنيث، و أن موصوفها محذوف، و تقديره: و ما من خصلة غائبة. أو أشياء غائبة، و اللّه العالم ..