الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - لا يضيق صدرك بمؤامراتهم
إلّا أنّ هؤلاء المنكرين المعاندين، بدلا من أن يأخذوا إنذار النّبي المشفق عليهم مأخذ الجد فيتعظوا بوعظه و يستر شدوا بنصحه، أخذوا يسخرون منه وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
و مع أنّ المخاطب هو النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا أنّ الموضوع ذكر بصيغة الجمع «إن كنتم صادقين» لأنّ المؤمنين الصادقين كانوا قد ضموا صوتهم إلى صوت النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا ... فهم مخاطبون بما خوطب به كذلك! و هنا يردّ القرآن على استهزائهم و سخريتهم بلهجة موضوعية، فيقول مخاطبا نبيّه: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ.
فعلام تستعجلون؟! و علام تستصغرون عقاب اللّه؟! أ فلا ترحمون أنفسكم؟! ترى، هل عذاب اللّه ضرب من الهزل أو المزاح؟ فعسى أن يأخذكم اللّه بعذابه لكلامكم هذا فيهلككم ... فلم هذا العناد و اللجاجة؟! «ردف» فعل مشتق من (ردف) على وزن (حرف) و معناه كون الشيء خلف الشيء الآخر، و لذا يطلق على من يركب الفرس خلف صاحبه (رديف) كما يطلق الرديف على الأشخاص أو الأشياء التي تقف صفا واحدا بعضها خلف بعض.
و هناك كلام عن المراد من العذاب الذي كانوا يستعجلون به، فقيل: هو ما أصابهم يوم بدر من هزيمة كبرى، إذ صرع من عتاتهم سبعون رجلا و أسر سبعون رجلا!.
كما و يحتمل أنّ المراد منه العقاب العام الذي دفع أخيرا، ببركة وجود النّبي إذ كان رحمة للعالمين، و الآية (٣٣) من سورة الأنفال شاهدة عليه وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ.
و التعبير ب «عسى» لعله على لسان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و حتى لو كان من قبل اللّه سبحانه- فعلى خلاف ما يتصوّره بعضهم، فإنّه ليس فيه أي إشكال ... إذ هو إشارة إلى وجود مقدمات الشيء و مقتضياته، مع إمكان أن تقترن هذه المقدمات