حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣ - الباب الثالث في رسالته
ثم قال (عليه السلام): و مرادنا و قصدنا الكلام في الجبر و التفويض و شرحهما و بيانهما، و إنّما قدّمنا ما قدّمنا ليكون اتفاق الكتاب و الخبر اذا اتفقا دليلا لما أردناه، و قوّة لما نحن مبيّنوه من ذلك إن شاء اللّه.
فقال الجبر و التفويض بقول الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) عند ما سئل عن ذلك فقال: لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين، قيل فما ذا يا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ فقال: صحّة العقل، و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيّج للفاعل على فعله فهذه خمسة اشياء فاذا نقص العبد منها خلّة [١] كان العمل عنه مطرّحا بحسبه، و أنا أضرب لكلّ باب من هذه الابواب الثلاثة و هي: الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين، مثلا يقرّب المعنى للطالب و يسهّل له البحث من شرحه و يشهد به القرآن محكم آياته و يحقّق تصديقه عند ذوي الالباب و باللّه العصمة و التوفيق.
ثم قال (عليه السلام): فأمّا الجبر فهو قول من زعم ان اللّه عزّ و جلّ جبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم اللّه و كذّبه و ردّ عليه قوله: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [٢].
و قوله جلّ ذكره: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٣] مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنّه مجبور على المعاصي فقد احال بذنبه على اللّه عزّ و جلّ و ظلمه في عقوبته له، و من ظلّم ربه فقد كذّب كتابه، و من كذّب كتابه لزمه الكفر باجماع الامّة و المثل المضروب في ذلك: في
[١] الخلّة (بضم الخاء المعجمة و فتح اللام المشدّدة): الخصلة.
[٢] سورة الكهف: ٤٩.
[٣] سورة الحج: ١٠.