منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٢ - الفصل الرابع في الأمر بالتواضع و التسليم و الانقياد لله سبحانه
و لمّا خوّفهم من طول الأمل عقّبه بالارشاد و الدّلالة على ما فيه صلاحهم فقال (أيّها النّاس إنّه من استنصح اللَّه وفّق) أي من اتّخذ اللَّه ناصحا له واعيا لكلامه حافظا لأوامره و نواهيه وفّق لكلّ خير (و من اتّخذ قوله دليلا) في مطالبه و مقاصده تلميح (هدى ل) لطريقة (الّتي هي أقوم) الطّرق و أنهجها.
و في هذه القرينة تلميح إلى قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ قال الطّبرسي: يهدي إلى الديانة و الملّة و الطريقة الّتي هي أشدّ استقامة يقال هذه الطريق و للطّريق و إلى الظّريق، و قيل: معناه يرشد إلى الكلمة الّتي هى أعدل الكلمات و أصوبها و هى كلمة التّوحيد، و قيل: يهدى إلى الحال الّتي هي أعدل الحالات و هي توحيد اللَّه و الايمان به و برسله و العمل بطاعته انتهى.
و الأخير أظهر بمقتضى عموم وظيفته، و في تفسير أهل البيت : أنه يهدى إلى الامام، في رواية اخرى يهدى إلى الولاية.
و لما ذكر أنّ استنصاح اللَّه يستلزم التّوفيق و اتخاذ قوله دليلا يستلزم الهدى رتب عليه قوله: (فإنّ جار اللَّه آمن) تنبيها على ثمرة التوفيق و الهداية و هو حصول الجوار من اللَّه و القرب المحصّل لأمنه (و) به يعرف أنّ (عدوّ اللَّه خائف) لأنّ ترك استنصاحه تعالى مستلزم للخذلان و عدم اتّخاذ قوله دليلا موجب للضلال المبعدين عنه سبحانه و الجالبين لعداوته الذي هو محلّ الخوف و الخطر.
الفصل الرابع في الأمر بالتّواضع و التّسليم و الانقياد للَّه سبحانه
و بالمتابعة لأولياء الدّين و الرجوع اليهم و الأخذ منهم و هو قوله (و إنّه لا ينبغي لمن عرف عظمة اللَّه) سبحانه و جلاله و جبروته و سلطانه (أن يتعظّم) أى يظهر العظمة و يتكبّر، و تخصيص النّهى عن التعظّم بمن عرف عظمته تعالى لاحتقاره نفسه عند ملاحظته لنفسه و نسبته لها إلى جلاله تعالى، فهو أسرع انفعالا و أحقر في نفسه أن يتكبّر على اللَّه.