منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٧ - المعنى
أحدهما أنه دليل للحامد على آلائه سبحانه أى على الفوز بها إذ الحمد و الشّكر سببان للوصول إلى النّعم موجبان لزيادتها حسبما عرفت آنفا، و أنّها منه دون غيره، فمن حمد له تعالى فقد اهتدى بحمده إلى نيل نعمه.
و ثانيهما أنّ الحمد للّه تعالى دليل على أنّه صاحب الآلاء و النّعم إذ الحمد لا يليق إلّا بوليّ النّعمة، و لعلّ الثاني أظهر.
و أمّا كونه دليلا على عظمته فلدلالته على عدم تناهي قدرته و عدم نفاد ملكه و خزائنه إذ كلّما ازداد الحمد ازدادت النّعمة لا يزيده كثرة العطاء إلّا كرما وجودا فسبحان من لا تفنى خزائنه المسائل، و لا تبدل حكمته الوسائل.
و لمّا فرغ من حمد اللّه سبحانه شرع في التّذكير و الموعظة فقال تشبيه المعقول بالمعقول- تشبيه مفصل (عباد اللّه إنّ الدّهر يجري بالباقين كجريه بالماضين) يعني أنّ جريانه بالأخلاف كجريانه بالأسلاف قال الشّاعر:
|
فما الدّهر إلّا كالزمان الّذي مضى |
و لا نحن إلّا كالقرون الأوائل |
|
و هو من تشبيه المعقول بالمعقول، إذ الجرى أمر عقلاني غير مدرك باحدى الحواس الخمس، و من باب التّشبيه المفصل للتّصريح بوجه الشّبه و كونه مذكورا في الكلام و هو قوله (لا يعود ما قد ولّي منه و لا يبقى سرمدا ما فيه) يعني أنّ ما ولّي منه و أدبر فقد فات و مضى لا عود له أبدا، و ما هو موجود فيه فهو في معرض الزّوال و الفناء ليس له ثبات و لا بقاء، إذ وجود الزّماني إنّما هو بوجود زمانه، فيكون منقضيا بانقضائه، و في هذا المعنى قال الشّاعر:
|
ما أحسن الأيّام إلّا أنّها |
يا صاحبيّ إذا مضت لم ترجع |
|
(آخر فعاله كأوّله) و عن بعض النّسخ كأوّلها فالضّمير راجع إلى فعاله، و على ما في المتن فالضّمير راجع إلى الدّهر فيحتاج إلى تقدير مضاف كأوّل فعاله، و المراد واحد و انّ هو أجزاء الزّمان أوّلا و آخرا سابقا و لا حقا على وتيرة واحدة و نسق واحد أي (متشابهة اموره) فانّه كما كان أوّلا يعدّ قوما للفقر و آخرين للغنى و طائفة للصحّة و اخرى للمرض، و فرقة للضّعة و اخرى للرّفعة، و جمعا للوجود