منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٩٨ - و أما الثالث
|
يا ابن التراب و ماكول التّراب غدا |
أقصر فإنّك مأكول و مشروب |
|
و أما العلم فهو إنّما يكون كمالا إذا أوجب ارتفاع درجة العالم و قربه من اللَّه سبحانه، و إلّا فالجهل منه أفضل البتّة، و قد مضى في شرح الفصل الثّاني من الخطبة السّادسة و الثّمانين ما فيه كفاية في ذم العلماء السّوء.
و أقول هنا مضافا إلى ما سبق: من أنّ العالم مهما خطر بخاطره عظم قدره بالاضافة إلى الجاهل فليتفكّر في الخطر العظيم الذي هو بصدده، فانّ خطره أعظم من خطر غيره كما أنّ قدره أعظم من قدر غيره، فقد يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد، و ذلك لمكان علمه.
و قد ضرب اللَّه مثلا للعالم العامل بغيره تارة بالحمار فقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً و أخرى بالكلب فقال: وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ إلى قوله فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ نزلت في بلعم بن باعور فقد اوتى اسم الأعظم و قال ابن عبّاس اوتى كتابا فأخلد إلى شهوات الأرض أى سكن حبّه اليها فمثّله بالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث أى سواء أتيته الحكمة أو لم اوته لا يدع شهوته.
و يكفى العالم هذا الخطر فبعد معرفته بأنّ الكبر لا يليق إلّا بذات اللَّه سبحانه و أنّه مختصّ به و علمه بانّه إذا تكبّر يصير ممقوتا عنده تعالى بغيضا اليه محروما من قربه، و بأنّ المطلوب منه الذّل و التّواضع و هو موجب لمحبّته تعالى، فلا بدّ أن يكلّف نفسه ما يحبّه مولاه و ما فيه رضاه، فهذا يزيل التكبّر عن قلبه.
و يمكن ازالته أيضا بالتفكّر في امور ثلاثة.
أحدها أن يلتفت إلى ما سبق من ذنوبه و خطاياه حتّى يصغر قدره في عينيه.
الثّاني أن يلاحظ لما هو فيه من وصف العلم من حيث انه نعمة من اللَّه سبحانه في حقّه فيرى ذلك منه تعالى حتّى لا يعجب بنفسه، و إذا لم يعجب لم يتكبّر.