منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٩٧ - و أما الثالث
زُرْتُمُ الْمَقابِرَ: أ فبمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون، إلى آخر ما يأتي في الكلام المأتين و التاسع عشر، و قال سلمان (رض):
|
أبي الاسلام لا أب لي سواه |
إذا افتخروا بقيس أو تميم |
|
و قال صاحب بن عبّاد:
|
لعمرك ما الانسان إلّا بدينه |
فلا تترك التّقوى اتّكالّا على نسب |
|
|
لقد رفع الاسلام سلمان فارس |
و قد وضع الشرك الشريف أبا لهب |
|
ألا ترى إلى ابن نوح فانّه مع كونه ابن نبيّ مرسل من اولى العزم ما نجاه ذلك النّسب الشريف و لا نفعه، بل كان من المغرقين، و في جهنّم من الخالدين، وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فلم يستجب فيه دعوته و نفى عنه بنوّته لمخالفته لأبيه و عصيانه له.
و روى عن سيّد السّاجدين ٧ أنّه قال: إنّما خلقت النّار لمن عصى اللَّه و لو كان سيّدا قرشيّا، و الجنّة لمن أطاع اللَّه و لو كان عبدا حبشيّا.
و ناهيك في المنع من التكبّر بالنّسب قوله عزّ من قائل: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ.
بل أقول: إنه إذا كان البناء على افتخاره بأصله و نسبه القريب فليفتخر بأقرب اصوله و أنسابه و هو النّطفة القذرة و الدّودة الّتي خرجت من مبال أبيه، فأين الافتخار بالدّودة و أنّى التعزّز بالعلقة و المضغة.
قال سبحانه: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فالأصل تراب يوطأ بالأقدام، و الفصل نجس تغسل منه الأبدان فمن كان هذا أصله و فصله كيف يسوغ له التكبّر بالأنام، و لنعم ما قيل: