منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٩٥ - و أما الثالث
و كان رسول اللَّه ٦ صعد المنبر يوما و ذكر ما كانوا يتفاخرون و يتكبّرون به في الجاهليّة، فقال: إنّه موضوع تحت قدمى إلى يوم القيامة و لم ينزل من المنبر حتى زوّج بنت عمّته صفيّة ابنة عبد المطلب من المقداد مع كونه من أفقر النّاس حالا و أقلّهم مالا.
و قد سوّى بينهم أيضا في أعظم الأمور و أهمّها و هو أمر الدّماء فقال ٦:
المسلمون اخوة تتكافا دماؤهم و يسعى بذمّتهم أدناهم.
فاذا كان دم السّلطان مساويا لدم الكنّاس فأىّ مزيّة له عليه.
فقد علم بذلك أن لا تفضيل في غير الورع و التّقوى و الدّين و أنّه لا يجوز الافتخار و التفاخر به بل لا يجوز التفاخر بالتقوى أيضا و لا ينبغي المباهاة به.
و يؤمى إليه ما رواه الطبرسي عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه ٦: إنّ اللَّه عزّ و جلّ جعل الخلق قسمين: فجعلني في خيرهم و ذلك قوله: و أصحاب اليمين و أصحاب الشّمال فأنا من أصحاب اليمين و أنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثا فجعلنى في خيرها ثلثا و ذلك قوله و أصحاب الميمنة و أصحاب المشئمة و السابقون السّابقون، فأنا من السابقين و أنا خير السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلنى في خيرها قبيلة و ذلك قوله: وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ الآية، فأنا أتقى ولد آدم و لا فخر و أكرمهم على اللَّه و لا فخر ثمّ جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا و ذلك قوله عزّ و جلّ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فأنا و أهل بيتى مطهّرون من الذّنوب فانّ غرضه بذلك بيان شأنه للناس لا التفاخر، و لهذا قال ٦ في المقامين:
و لا فخر، فبالغ في نفيه بلاء النافية للجنس.
و الى هذا المعنى ينظر ما جاء في الحديث من أنّ اللَّه سبحانه أوحى الى موسى اذا جئت للمناجاة فاصحب معك من تكون خيرا منه، فجعل موسى ٧ لا يعترض أحدا و هو لا يجسر أن يقول إنّى خير منه، فنزل عن الناس و شرع في أصناف الحيوانات حتى مرّ بكلب أجرب فقال: أصحب هذا، فجعل في عنقه حبلا ثمّ مرّ به، فلما كان به في بعض الطريق شمر الحبل و أرسله، فلما جاء إلى مناجاة الرّبّ سبحانه