منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٤ - المعنى
فأقول: إنّ الخوف كما في إحياء العلوم عبارة عن تألّم القلب و احتراقه بسبب توقّع مكروه في الاستقبال، و قد ظهر هذا في بيان حقيقة الرّجاء و هو صفة تقتضى علما و عملا.
اما العلم فهو العلم بالسّبب المفضى إلى المكروه، و ذلك كمن جنى على ملك ثمّ وقع في يده فيخاف القتل مثلا و يجوز العفو و الافلات، و لكن يكون تألّم قلبه بالخوف بحسب قوّة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله، و هو تفاحش جنايته و كون الملك حقودا غضوبا منتقما، و كونه محفوفا بمن يحثّه على الانتقام، خاليا عمّن يتشفّع إليه في حقّه، و كان هذا الخائف عاطلا عن كلّ وسيلة و حسنة تمحو أثر جنايته عند الملك، فالعلم بتظاهر هذه الأسباب سبب لقوّة الخوف و شدّة تألّم القلب، و بحسب ضعف هذه الأسباب يضعف الخوف.
و قد يكون الخوف لا عن سبب جناية قارفها الخائف، بل عن صفة المخوف منه كالّذى وقع في مخالب سبع، فانّه يخاف السّبع لصفة ذات السّبع و هى سطوته و حرصه على الافتراس غالبا و إن كان افتراسه بالاختيار.
و قد يكون من صفة جبليّة للمخوف منه كخوف من وقع في مجرى سيل أو جوار حريق من الغرق و الاحتراق، لأنّ طبع الماء مجبول على السّيلان و الاغراق، و كذا النّار على الاحراق، فالعلم بأسباب المكروه هو السّبب الباعث المثير لاحراق القلب و تألّمه، و ذلك الاحراق هو الخوف.
فكذلك الخوف من اللّه تارة يكون لمعرفة اللّه و معرفة صفاته و أنّه لو أهلك العالمين لم يبال و لم يمنعه مانع، و تارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي، و تارة يكون بهما جميعا، و يحسب معرفته بعيوب نفسه و معرفته بجلال اللّه تعالى و استغنائه و أنّه لا يسئل عمّا يفعل و هم يسئلون تكون قوّة خوفه فأخوف النّاس لربّه أعرفهم بنفسه و بربّه و لذلك قال ٦: أنا أخوفكم للّه، و كذلك قال اللّه: إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء.
و أما العمل فهو أنّه إذا حصل له الخوف أوجب ذلك الكفّ و التّوقّى عن