منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٨٩ - المعنى
نحن فيه شعفا منّي بذكر مآثر أمير المؤمنين و زوجته و الطّيّبين من أولادهما سلام اللّه عليهم، و فيما رويناه من الفضل الّذي تخصّصوا به ما لم يشركهم فيه أحد و لا ساواهم في نظير له مساو.
الثالث ما في الصافي من الأمالي عن رسول اللّه ٦ أنه جاء إليه رجل فشكى إليه الجوع، فبعث رسول اللّه ٦ إلى بيوت أزواجه فقال: ما عندنا إلّا ماء، فقال رسول اللّه ٦: من لهذا الرّجل اللّيلة؟ فقال عليّ بن أبي طالب: أنا له يا رسول اللّه و أتا فاطمة ٣ فقال لها: ما عندك يا ابنة رسول اللّه ٦؟ فقالت: ما عندنا إلّا قوت العشيّة لكنا نؤثر ضيفنا، فقال: يا ابنة محمّد ٦ نومى الصبيّة و أطفى المصباح، فلما أصبح عليّ ٧ غدا على رسول اللّه ٦ فأخبره الخبر، فلم يبرح حتى أنزل اللّه عزّ و جلّ وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ هذا.
و قد ظهر لك ممّا تضمنّته هذه الرّوايات الثلاث الذي هو أنموذج ممّا تضمّنته ساير الرّوايات كيفيّة عيش رسول اللّه مع خواصّه في دار الدّنيا و زهدهم فيها و ايثارهم الآخرة على الاولى و أنّها قبضت عنه و عن أهل بيته (و زويت) أى صرفت و نحيت (عنه زخارفها) و زينتها (مع عظيم) تقرّبه و (زلفته فلينظر ناظر بعقله) أنه لو يكون في الدّنيا و الاكثار منها خير لم يفت هؤلاء الأكياس الذين هم أقرب الخلق إلى اللّه و خاصّته و حججه على ساير الناس، بل تقرّبوا إليه سبحانه بالبعد عنها، و تحبّبوا إليه تعالى بالبغض لها.
و ليتفكّر بفكرة سليمة أنه (أكرم اللّه تعالى محمّدا ٦) و ساير أنبيائه و أوليائه (بذلك) الضيق في الدّنيا و الاعسار فيها (أم أهانه) و أهانهم.
(فان قال أهانه) و إيّاهم (فقد كذب و العظيم) ضرورة أنّ أحقر ملك من ملوك الدّنيا لا يقصد بأحد من خاصّته إذا كان مطيعا له منقادا لأمره مخلصا في طاعته الاهانة فكيف يصدر ذلك عن ملك السلوك و سلطان السلاطين حكيم الحكماء و رحيم الرحماء في حقّ أخصّ خواصّه و أقربهم إليه و أشدّهم زلفة عنده و اكثرهم