منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٩٤ - و أما الثالث
ما يقول، فدخل المسجد يوما و النّاس قد فرغوا من الصّلاة و أخذوا مكانهم، فجعل يتخطّى رقاب النّاس و يقول: تفسّحوا، حتّى انتهى إلى رجل، فقال له: اصبت مجلسا فاجلس، فجلس خلفه مغضبا، فلمّا انجلت الظّلمة قال: من هذا؟ قال الرّجل: أنا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة؟ ذكر أمّا له كان يعيّر بها في الجاهليّة فنكس الرّجل رأسه حياء فقال صلوات اللَّه و سلامه عليه و آله: من الذّاكر فلانة؟
فقام ثابت فقال: أنا يا رسول اللَّه، فقال: انظر في وجوه القوم، فنظر إليهم، فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض و أحمر و أسود، قال فانّك لا تفضّلهم إلّا بالتقوى و الدّين فنزلت هذه الآية.
و قيل لمّا كان يوم فتح مكّة أمر رسول اللَّه ٦ بلالا حتّى علا ظهر الكعبة و أذّن، فقال عتاب بن اسيد: الحمد للَّه الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، و قال الحارث بن هشام: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا، و قال سهيل بن عمر: ان يرد اللَّه شيئا لغيّره، و قال أبو سفيان: إنّى لا أقول شيئا أخاف أن يخبره به ربّ السّماوات، فأتى جبرئيل رسول اللَّه ٦ فأخبره بما قالوا فدعاهم رسول اللَّه ٦ و سألهم عمّا قالوا فأقرّوا به، و نزلت الآية و زجرهم عن التّفاخر بالأنساب و الازراء بالفقر و التكاثر بالأموال.
فقد ظهر بذلك أنّ جهة الفضل في أفراد النّوع الانساني منحصرة في الورع و التقوى فقط.
و يدلّ عليه أيضا ما روى أنّ رجلا سأل عيسى بن مريم أىّ النّاس أفضل فأخذ قبضتين من التّراب فقال: أىّ هاتين أفضل، النّاس خلقوا من تراب، فأكرمهم أتقيهم.
و كان أمير المؤمنين ٧ لمّا عوتب على التّسوية في العطاء و عدم التفضيل لاولى السابقات و الشّرف من المهاجرين و الأنصار على غيرهم، و اعترض عليه بعدم ترجيح المولى على العبيد و عدم التّفرقة بين الأبيض و الأسود أجاب ٧ بقوله: إنّى نظرت في كتاب اللَّه فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا.