منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٣ - المعنى
غرضه بضرب المثل، و المثل ينتفع به العام و الخاص، و كان نصيب العامى من كلّ مثل أن يدرك ظاهره المحسوس و يقف عليه و ينتفع به ترغيبا و ترهيبا لما فيه من نوع مطابقة لأصله و نصيب الخاصى أن يدرك باطنه و يعبّر من ظاهره إلى سرّه و من محسوسه الجزئي إلى معقوله الكلّى كما قال تعالى:
وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.
أراد ٧ أن يكون انتفاع المخاطبين بالمثل الذي يضربه على وجه الكمال و نحو الخصوص، فلذلك قال ٧: مقدّمة و تنبيها لهم: اعقل ذلك فانّ المثل دليل على شبهه، أي أفهم ما أقول و تدبّر فيه و لا تقصر نظرك إلى ظاهره، بل تفكّر في معناه حتّى تصل من قشره إلى لبّه، و يمكن لك الاستدلال بالمثل على ممثّله و الانتقال من ظاهره إلى باطنه و الوصول من قشره إلى لبّه و المثل الّذي ضربه هو تمثيل قوله (إنّ البهايم همّها بطونها) لكمال قوّتها الشّهوية فاهتمامها دائما بالطعام و الشّراب و الأكل و الشّرب و النزو و السّفاد (و إنّ السّباع همّها العدوان) لافراط قوّتها الغضبيّة فلذّتها أبدا في الاضراء و الافتراس و الغلبة و الانتقام (و إنّ النّساء همهنّ زينة الحياة الدّنيا) لفرط قوّتها الشّهويّة (و الفساد فيها) لشدّة قوّتها الغضبيّة و غرضه ٧ من هذا المثل التنبيه على أنّ كمال الانسان الّذي به فارق غيره هو إدراك ما يخرج عن عالم الحواس و الاحاطة بالمعلومات و التنزّه عن التّعلّقات و التّرقّي إلى الملاء الأعلى، فمن ذهل عن ذلك و عطل نفسه عن تحصيله و أهمله و لم يجاوز عالم المحسوسات فهو الذي أهلك نفسه و أبطل قوّة استعداده بالاعراض عن الآيات و التأمّل فيها، و نزل عن مرتبة الانسانية و أخلد إلى الأرض فان كان تابعا لقوّته الشهويّة البهيميّة فهو نازل عن حقيقة الانسانيّة إلى درجة البهايم، و وافق الأنعام فمثله كمثل الحمار بل البهايم أشرف منه و هو أضلّ منها كما قال تعالى. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ