منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١١٩ - المعنى
أى خيّره اللَّه بين البقاء و اللّقاء فاختار لقاء اللَّه، و هو مبنيّ على منع كون حفظ النّفس واجبا مطلقا، و لعلّه كان من خصائصهم عدم وجوب ذلك عند اختيارهم الموت و حكم العقل في ذلك غير متّبع مع أنّ حكم العقل في مثل ذلك غير مسلّم.
و في بعض النّسخ أعني نسخ الكافي حيّن بالحاء المهملة و النّون أخيرا، بدل خير، قال الجوهريّ: حيّنه جعل له وقتا يقال: حيّنت النّاقة إذا جعلت لها في يوم و ليلة وقتا تحلبها فيه انتهى، فالمعنى أنّه كان بلغ الأجل المحتوم المقدّر و كان لا يمكن الفرار منه.
قال المحدّث العلّامة المجلسيّ: و حاصله أنّ من لا يعلم أسباب التّقديرات الواقعة يمكنه الفرار عن المحذورات و يكلّف به، و أمّا من كان عالما بجميع الحوادث، فكيف يكلّف الفرار و إلّا يلزم عدم وقوع شيء من التّقديرات فيه، بل هم : غير مكلّفين بالعمل بهذا العلم في أكثر التّكاليف.
فانّ النّبيّ ٦ و أمير المؤمنين ٧ كانا يعرفان المنافقين و يعلمان سوء عقايدهم و لم يكونوا مكلّفين بالاجتناب عنهم و ترك معاشرتهم و عدم مناكحتهم أو قتلهم و طردهم ما لم يظهر منهم شيء يوجب ذلك.
و كذا علم أمير المؤمنين ٧ بعدم الظّفر بمعاوية و بقاء ملكه بعده لم يكن سببا لأن يترك قتاله، بل كان يبلغ في ذلك غاية جهده إلى أن استشهد صلوات اللَّه عليه مع أنّه كان يخبر بشهادته و استيلاء معاوية بعده.
و كذا الحسين ٧ كان عالما بغدر أهل العراق به و أنّه سيستشهد هناك مع أولاده و أقاربه و أصحابه، و يخبر بذلك مرارا و لم يكن مكلّفا بالعمل بهذا العلم بل كان مكلّفا بالعمل بهذا الأمر حيث بذلوا له نصرتهم و كاتبوه و راسلوه و وعدوه البيعة و بايعوا مسلم بن عقيل رضى اللَّه عنه انتهى.
و قال المجلسيّ أيضا في موضع آخر من شرح الكافي: الظاهر من ساير الأخبار أنّه ٧ كان عالما بشهادته و وقتها و كان ينتظرها و يخبر بوقوعها و يستبطئها في اللّيلة التي وعدها و يقول: ما منع قاتلي من قتلي انتهى.