منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٧٣ - المعنى
ثمّ إلى سليمان بن داود فقد كان مع ما هو فيه من الملك العظيم يلبس الشّعر و إذا جنّه اللّيل شدّ يديه إلى عنقه فلا يزال قائما باكيا حتّى يصبح، و كان قوته من سفائف الخوص يعملها بيده، و هكذا كان حال ساير الأنبياء في إعراضهم عن الدّنيا.
و أمّا سيّد البشر فوصف حاله إجمالا قد مرّ و قد تقدّم أنّ فيه كافيا لك في الاتباع به و الاهتداء بهداه، و لذلك عقّبه بالأمر بالتّأسّي به و أردفه بوصف حاله تفصيلا فقال (فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر ٦) و اتّبع له (فانّ فيه اسوة لمن تأسّى و عزاء لمن تعزّى) أى نسبة لمن انتسب (و أحبّ العباد إلى اللّه المتأسّى بنبيّه و المقتصّ) المتتبّع (لاثره) و إنّما كان أحبّ العباد إليه سبحانه لقوله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ قال الفخر الرّازي: قال المتكلّمون محبّة اللّه للعبد عبارة عن إرادته تعالى ايصال الخيرات و المنافع في الدّين و الدّنيا إليه، و قال بعض المحقّقين: و من المتكلّمين من أنكر محبّة اللّه لعباده كالزمخشري و أترابه، زعما منهم أنّ ذلك يوجب نقصا في ذاته و لم يعلموا أنّ محبّة اللّه تعالى لخلقه راجعة إلى محبّة ذاته، هذا.
و قوله (قضم الدّنيا قضما) استيناف بيانيّ، فانّه لمّا ذكر أنّ أحبّ العباد إلى اللّه من اقتصّ أثر النّبيّ ٦، و كان ذلك مظنّة لأن يسأل عن الأثر الذي يقتصّ أردف بهذا الكلام و ما يتلوه جوابا لهذا السّؤال المتوهّم، و تفصيلا لما فيه الاسوة، و به يكون الاقتصاص، و أراد بقضمه اقتصاره ٦ في الدّنيا على قدر الضّرورة إذا لقضم يقابل الخضم و الأوّل أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان، و الثاني الأكل بالفم كلّه للأشياء الرّطبة كما قال ٧ في وصف حال بني اميّة في الخطبة الشقشقيّة: يخضمون مال اللّه خضم الابل نبتة الرّبيع، و في حديث أبي ذر «رض» يخضمون و نقضم و الموعد للّه كنايه (و لم يعرها طرفا) أى لم يعطها نظرة على وجه العارية فكيف بأن يجعلها مطمح نظره، و هو كناية عن عدم التفاته إليها (أهضم أهل الدّنيا كشحا و أخمصهم