منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٣ - الفصل الرابع في الأمر بالتواضع و التسليم و الانقياد لله سبحانه
فهو نظير قوله سبحانه: قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا فانّ شرطها في التعوّذ منه كونه تقيا، لأنّ التقىّ إذا تعوّذ بالرّحمن منه ارتدع عمّا يسخط اللَّه كما تقول: إن كنت مؤمنا فلا تظلمنى قال أمير المؤمنين ٧: علمت أنّ التّقيّ ينهاه التّقى عن المعصية، هذا.
و علّل حسن التّواضع بقوله (فانّ رفعة الّذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له) يعني أنّ تواضعهم سبب لرفعة درجاتهم و علوّ مقامهم عند الخالق و الخلايق في الدّنيا و الآخرة أمّا في الدّنيا فمعلوم بالبديهة و العيان غنيّ عن البيان، و أمّا في العقبى فلدلالة الأخبار الكثيرة عليه.
روى في البحار عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر ٧ يقول: إنّ موسى بن عمران حبس عنه الوحى ثلاثين صباحا، فصعد على جبل بالشّام يقال له اريحا، فقال: يا ربّ لم حبست عنّى وحيك و كلامك الذنب أذنبته فها أنا بين يديك فاقتص لنفسك رضاها، و إن كنت إنما حبست عنّى وحيك و كلامك لذنوب بني اسرائيل فعفوك القديم، فأوحى اللَّه إليه يا موسى تدرى لم خصصتك بوحيى و كلامى من بين خلقى؟ فقال: لا أعلمه يا ربّ، قال: يا موسى إنّي اطلعت على خلقي اطلاعة فلم أر في خلقي أشد تواضعا منك، فمن ثمّ خصصتك بوحيى و كلامي من بين خلقي، قال ٧: فكان موسى إذا صلّى لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض و خدّه الأيسر بالأرض.
و في عدّة الدّاعي عن الباقر ٧ قال: أوحى اللَّه تعالى إلى موسى أ تدرى لم اصطفيتك بكلامى من دون خلقى؟ قال: لا يا ربّ قال: يا موسى إني قلّبت عبادى ظهرا لبطن فلم أرأذلّ نفسا منك، إنك إذا صلّيت وضعت خدّيك على التراب.
و في رواية اخرى قلّبت عبادى ظهرا لبطن فلم أرأذلّ لي نفسا منك فأحببت أن أرفعك من بين خلقى.
و عن النبيّ ٦ ثلاثة لا يزيد اللَّه بهنّ إلّا خيرا: التواضع لا يزيد اللَّه به إلّا ارتفاعا، و ذلّ النّفس لا يزيد اللَّه به إلّا عزّا، و التعفّف لا يزيد اللَّه به إلّا غني.