منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٥ - الفصل الرابع في الأمر بالتواضع و التسليم و الانقياد لله سبحانه
فانّه عبارة عن إظهار التكبر.
و لما أمرهم بالتواضع و الاستسلام للَّه سبحانه المستلزمين لأخذ الحقّ و قبوله من أهله اتبعه بقوله: تشبيه (فلا تنفروا من الحقّ) و أهله و هم أولياء الدّين (نفار الصحيح من الأجرب و البارىء من ذى السّقم) أى أشدّ النّفار كما في الشّبه بهما، هذا و لما نهاهم عن النفار من الحقّ و أمرهم بلزومه عقّبه بقوله (و اعلموا أنكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الّذي تركه) الرّشد يساوق الحقّ كما أنّ الغيّ يساوق الباطل، و الغرض بهذه الجملة التنبيه على أنّ معرفة الرّشد أي الحقّ تتوقّف على معرفة تاركه أى أئمّة الضّلال و أهل الباطل إذ مع عدم معرفتهم ربما يشتبه فيزعم أنّ أقوالهم حقّ فيأخذ بها و يقع في الخبط و الضلال.
كما اشير إليه في الخطبة الثامنة و الثلاثين بقوله: و إنما سمّيت الشبّهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ فأما أولياء اللَّه فضياءهم فيها اليقين و دليلهم سمت الهدى و أمّا أعداء اللَّه فدعائهم فيها الضّلال و دليلهم العمى، و قد مضى في شرح هذه الخطبة ما ينفعك ذكره في هذا المقام، فاللّازم على طالب الرّشد أن يعرف أئمة الغىّ و الضلال و يجتنب عنهم.
و بما ذكر يظهر أيضا معنى قوله: (و لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذي نقضه و لن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الّذي نبذه) توضيح ذلك أنّ كتاب اللَّه سبحانه لما كان من أسباب الرّشد كما قال تعالى: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ و كان التمسّك به منقذا من الضّلال كما قال رسول اللَّه ٦ في حديث الثقلين: انّي قد تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي الثقلين و أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي، لاجرم كان الأخذ و التمسّك به واجبا.
و لما كان معنى الأخذ و التمسّك هو اتّباعه و معرفة معناه حقّ العلم و العمل بمواثيقه و أحكامه الّتى هي عهد اللَّه تعالى لزم على ذلك معرفة الناقضين لمواثيقه و النابذين لأحكامه وراء ظهورهم، و هم المحرّفون المبدّلون له و المغيّرون لأحكامه