دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٦ - ٢- مسلك حقّ الطاعة
و بيان أوضحيّة براءة الذمّة في الشبهات الحكمية أن نقول: إنّ سكوت المشرّع الحكيم عن ايصال الأحكام الشرعية للمكلفين مع قدرته الطبيعية على ايصالها بطرق كثيرة إلى الناس لكاشف عن الترخيص به، و لذلك ترى انّ الله تعالى يرشد رسوله الأعظم ٦ إلى استعمال هذه البراءة العقلية في جداله مع احبار اليهود الذين ينكرون نبوّته و لو ظاهرا و في مقام الجدال، فقال تعالى: قل لا أجد فى ما أوحى إلىّ محرّما على طاعم يطعمه إلّا أن يكون ميتة أو دما مّسفوحا أو لحم خنزير ...، فلو لم تكن اصالة الحليّة أصلا عقلائيا واضحا لما صحّ هذا البرهان بهذا الاسلوب، و قد بيّنا هذا الأمر أكثر في بحث البراءة الشرعية عند الاستدلال بهذه الآية على البراءة، و واضح عدم الفرق بين احتمال الحرمة و احتمال الوجوب إن لم يكن حكم العقل بالبراءة في الثاني أولى، و ذلك لوجود مفسدة في ارتكاب الحرام بخلاف ترك الواجب فان فيه ترك المصلحة الملزمة، و ارتكاب القبيح أشدّ ضررا من ترك الواجب مع فرض تساويهما في الأهمّية.
(و لك) أن تقول: إذا تردد الحكم الشرعي عند المجتهد بين الالزامي و غير الالزامي فحينئذ يستكشف العقل الترخيص، و ذلك يظهر ممّا يلي:
إنّه لا شكّ في أنّ الرسول الأعظم و الأئمّة الهداة كانوا في عصرهم المبارك بصدد بيان تمام الشريعة الالهية إلى الناس كما ورد في بعض الآيات القرآنية الكريمة من قبيل قوله تعالى: قل أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول فإن تولّوا فإنّما عليه ما حمّل و عليكم مّا حمّلتم و إن تطيعوه تهتدوا و ما على الرّسول إلّا البلغ المبين، فلو كان الشارع المقدّس مهتمّا بهذا التكليف المعيّن كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو وجوب السورة في الصلاة لا وصله إلينا بطرق صحيحة و هو قادر على إيصالها بشكل طبيعي و بأساليب متعدّدة، و إنّ كثرة الروايات أ الواردة في السواك و القياس تصلح أن تكون منبّهة على ما ذكرنا، فعدم إيصال حجج تنجّز علينا التكاليف المشكوكة- مع القدرة على إيصالها- أمارة (أ) فقد ورد في كتاب (الآداب الطبّية في الاسلام ص ٢١٣) أنّ الروايات الواردة في السواك تفوق المائة رواية بكثير جدّا، أقول و ذكر في جامع أحاديث الشيعة (الجزء الأوّل) روايات في حرمة العمل بالقياس قد تزيد على روايات السواك.