خزانة التواريخ النجدية - عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام - الصفحة ٣٠٧ - فصل في سبب خروج الوزير المترجم من بغداد و سموّه إلى أعلى ذرى المجد
فوصل الخبر إلى المترجم داود باشا، فصار في حيرة، فأشار عليه بعض خلّانه بالتقرب من بغداد لسلامة روحه، و لأنه لا يكمل البدر إلّا بالسري، و لو لا التغرب ما وصل الدرّ من البحور إلى النحور، و أنشد:
و لا يقيم بدار الذلّ يألفها* * * إلّا الأذلّات عير الحي و الوتد
فخرج من بغداد و الإقبال يقول: بشراك بشراك، و التقوى تتلو عليه، و من يتق اللّه يجعل له من أمره يسرا، لاثني عشرة خلت من ربيع الأول من السنة الرابعة و الأربعين من مولده، و هي الحادية و الثلاثون بعد المائتين و الألف، و معه مائتان و خمسون فارسا ممن يبيعون أرواحهم في حبه.
فلما بلغ كركوك كاتب الدولة العلية في طلب وزارة بغداد، و أرسل لهم كتابا يتضمن من البلاغة أنواعا يدل على سعة باع كاتبه في جميع العلوم، بل و في الخفي من السياسيات و الجلي، فملأ عيون الدولة، و علموا أن في العراق رجلا، و أرسلوا له فرمانا بأنه والي العراق، البصرة، و شهرزور، و بغداد.
فلما وصل أمر السلطان محمود إليه قبله بالإجلال و الإكرام على حسب الرسوم المقتضيها الحال، و في الحال كتب نسخا متعددة مجرّدة من صورة ذلك الفرمان العالي الواجب التعظيم و الاحترام، و أرسلها إلى من بيدهم الحل و العقد في نواحي بغداد، مثل حمود بن ثامر، و النقيب، و الكتخدا و غيرهم من أعيان بغداد لكي تنطفي الفتنة بمجرد سماعهم هذا الخبر، فأزمع حمود على الرجوع إلى وطنه، و تخلّى عن سعيد باشا، و قال له: إنا نحميك ما دمت خادما للسلطان، و الآن ما يسعنا إلّا تأمين أوطاننا، أو أن تسمع نصحنا، فسافر معنا إلى أرضنا فهو أسلم لعاقبة