البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - قصة حاطب بن أبى بلتعة
فان الرجل قد نافق؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «و ما يدريك يا عمر لعل اللَّه قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» و أنزل اللَّه في حاطب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ الى آخر القصة.
هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة مرسلة و قد ذكر السهيليّ أنه كان في كتاب حاطب أن رسول اللَّه قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل و أقسم باللَّه لو سار إليكم وحده لنصره اللَّه عليكم فإنه منجز له ما وعده. قال و في تفسير ابن سلام أن حاطبا كتب، إن محمدا قد نفر فاما إليكم و إما الى غيركم فعليكم الحذر. و قد
قال البخاري ثنا قتيبة ثنا سفيان عن عمرو بن دينار أخبرنى الحسن بن محمد أنه سمع عبيد اللَّه بن أبى رافع سمعت عليا يقول: بعثني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنا و الزبير و المقداد فقال «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فان بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها» فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجى الكتاب، فقالت ما معى، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإذا فيه من حاطب بن أبى بلتعة الى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «يا حاطب ما هذا؟» فقال: يا رسول اللَّه لا تعجل على إني كنت امرأ ملصقا [١] في قريش يقول كنت حليفا و لم أكن من أنفسها و كان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم و أموالهم، فأحببت إذا فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، و لم أفعله ارتدادا عن ديني و لا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أما إنه قد صدقكم» فقال عمر: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال «إنه قد شهد بدرا و ما يدريك لعل اللَّه قد اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فانزل اللَّه سورة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ الى قوله فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ و أخرجه بقية الجماعة الا ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة و قال الترمذي حسن صحيح.
و قال الامام احمد ثنا حجين و يونس قالا: حدثنا ليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر ابن عبد اللَّه أن حاطب بن أبى بلتعة كتب الى أهل مكة يذكر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أراد غزوهم، فدل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على المرأة التي معها الكتاب فأرسل اليها فاخذ كتابها من رأسها و قال «يا حاطب أ فعلت؟» قال نعم، قال أما إني لم أفعله غشا لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا نفاقا. قد علمت أن اللَّه مظهر رسوله و متم له أمره غير أنى كنت غريبا بين ظهرانيهم و كانت والدتي معهم فأردت أن أتخذ يدا عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟ فقال «أ تقتل رجلا من أهل بدر و ما يدريك
[١] كذا في الأصل. و قال السهيليّ: كنت عريرا و فسر العرير بالغريب.