البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٧ - غزوة بنى المصطلق من خزاعة
مرتدا الى مكة و قال في ذلك:
شفى النفس ان قد بات بالقاع مسندا* * * يضرج ثوبيه دماء الاخادع
و كانت هموم النفس من قبل قتله* * * تلم فتحمينى وطاء المضاجع
حللت به وتري و أدركت ثؤرتى* * * و كنت الى الأوثان أول راجع
ثأرت به فهرا و حملت عقله* * * سراة بنى النجار أرباب فارع
قلت: و لهذا كان مقيس هذا من الأربعة الذين أهدر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الفتح دماءهم و ان وجدوا معلقين بأستار الكعبة.
قال ابن إسحاق فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس و مع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه و سنان بن وبر الجهنيّ حليف بنى عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهنيّ: يا معشر الأنصار و صرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين فغضب عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول و عنده رهط من قومه فيهم زيد ابن أرقم غلام حدث فقال أ و قد فعلوها؟ قد نافرونا و كاثرونا في بلادنا و اللَّه ما أعدّنا و جلابيب قريش هذه الا كما قال الأول «سمن كلبك يأكلك» أما و اللَّه لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم و قاسمتموهم أموالكم أما و اللَّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا الى غير داركم. فسمع ذلك زيد ابن أرقم فمشى به الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره الخبر و عنده عمر بن الخطاب فقال من مر به عباد ابن بشر فليقتله. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه لا و لكن آذن بالرحيل. و ذلك في ساعة لم يكن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يرتحل فيها فارتحل الناس و قد مشى عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين بلغه أن زيد بن أرقم بلّغه ما سمع منه فحلف باللَّه ما قلت ما قال و لا تكلمت به و كان في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأنصار من أصحابه يا رسول اللَّه عسى ان يكون الغلام أو هم في حديثه و لم يحفظ ما قال الرجل حدبا على ابن أبىّ و دفعا عنه. فلما استقل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة و سلّم عليه و قال: يا رسول اللَّه و اللَّه لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها. فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال أي صاحب يا رسول اللَّه؟ قال عبد اللَّه بن أبىّ.
قال و ما قال قال زعم أنه ان رجع الى المدينة أخرج الأعز منها الأذل قال فأنت و اللَّه يا رسول اللَّه تخرجه ان شئت هو و اللَّه الذليل و أنت العزيز ثم قال يا رسول اللَّه ارفق فو اللَّه لقد جاءنا اللَّه بك و ان قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه فإنه ليرى انك قد استلبته ملكا. ثم مشى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالناس يومهم ذلك حتى أمسى و ليلتهم حتى أصبح و صدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم