البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٤ - غزوة الخندق و هي غزوة الأحزاب
و رجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام فلم يكونوا ليأتوا الى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس و اللَّه أعلم. و قد صرح الزهري بان الخندق كانت بعد أحد بسنتين و لا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث الا على قول من ذهب الى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة، و لم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول الى آخرها كما حكاه البيهقي. و به قال يعقوب بن سفيان الفسوي و قد صرح بان بدرا في الاولى، و أحدا في سنة ثنتين، و بدر الموعد في شعبان سنة ثلاث، و الخندق في شوال سنة أربع. و هذا مخالف لقول الجمهور فان المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة، و عن مالك من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة و اللَّه أعلم. و الصحيح قول الجمهور أن أحدا في شوال سنة ثلاث، و أن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة و اللَّه أعلم.
فاما الحديث المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد و أنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزنى، و عرضت عليه يوم الخندق و أنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقد أجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقي بانه عرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة، و يوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة. قلت: و يحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه في يوم الأحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التي يجاز لمثلها الغلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها. و لهذا لما بلّغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال: ان هذا الفرق بين الصغير و الكبير. ثم كتب به الى الآفاق و اعتمد على ذلك جمهور العلماء و اللَّه أعلم و هذا سياق القصة مما ذكره ابن إسحاق و غيره. قال ابن إسحاق: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس. فحدثني يزيد بن رومان عن عروة و من لا أتهم عن عبيد اللَّه بن كعب بن مالك و محمد بن كعب القرظي و الزهري و عاصم بن عمر بن قتادة و عبد اللَّه بن أبى بكر و غيرهم من علمائنا و بعضهم يحدث ما لا يحدث بعض. قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم إسلام بن أبى الحقيق النضري و حيي بن أخطب النضري و كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق و هوذة بن قيس الوائلى و أبو عمار الوائلى في نفر من بنى النضير و نفر من بنى وائل و هم الذين حزّبوا الأحزاب على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم الى حرب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود انكم أهل الكتاب الأول و العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن و محمد، أ فديننا خير أم دينه؟ قالوا بل دينكم خير من دينه، و أنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل اللَّه فيهم أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ