البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - ذكر بعثه الى كسرى ملك الفرس
البيهقي: و روى في حديث دحية بن خليفة أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رسل كسرى، و ذلك أن كسرى بعث يتوعد صاحب صنعاء و يقول له: ألا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك يدعوني الى دينه، لتكفينه أو لأفعلن بك، فبعث اليه فقال لرسله «أخبروه أن ربى قد قتل ربه الليلة» فوجدوه كما قال. قال و روى داود بن أبى هند عن عامر الشعبي نحو هذا. ثم روى البيهقي من طريق أبى بكر بن عياش عن داود بن أبى هند عن أبيه عن أبى هريرة قال:
أقبل سعد الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «إن في وجه سعد خبرا «فقال يا رسول اللَّه هلك كسرى» فقال «لعن اللَّه كسرى أول الناس هلاكا فارس ثم العرب».
قلت: الظاهر أنه لما أخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بهلاك كسرى لذينك الرجلين يعنى الأميرين اللذين قدما من نائب اليمن باذام، فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به عليه الصلاة و السلام و شاع في البلاد و كان سعد بن أبى وقاص أول من سمع جاء الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره بوفق إخباره (عليه السلام) و هكذا بنحو هذا التقدير ذكره البيهقي (رحمه اللَّه). ثم روى البيهقي من غير وجه عن الزهري أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه بلغه أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بعث له- أو قيض له- عارض يعرض عليه الحق فلم يفجأ كسرى الا برجل يمشى و في يده عصا فقال: يا كسرى هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ فقال كسرى نعم لا تكسرها، فولى الرجل فلما ذهب أرسل كسرى الى حجابه فقال من أذن لهذا الرجل على؟ فقالوا ما دخل عليك أحد، فقال كذبتم، قال فغضب عليهم و تهددهم ثم تركهم. قال فلما كان رأس الحول أتى ذلك الرجل و معه العصا قال يا كسرى هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ قال نعم لا تكسرها، فلما انصرف عنه دعا حجابه قال لهم كالمرة الأولى، فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل معه العصا فقال له هل لك يا كسرى في الإسلام قبل أن أكسر العصا فقال لا تكسرها لا تكسرها فكسرها، فأهلك اللَّه كسرى عند ذلك. و
قال الامام الشافعيّ: انبأ ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فو الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه» أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة و أخرجاه من حديث الزهري به.
قال الشافعيّ و لما أتى كسرى بكتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مزقه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يمزق ملكه» و حفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و وضعه في مسك، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ثبت ملكه» قال الشافعيّ و غيره من العلماء و لما كانت العرب تأتى الشام و العراق للتجارة فأسلم من أسلم منهم شكوا خوفهم من ملكي العراق و الشام الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده»
قال فباد ملك