البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٠ - ذكر بعثه الى كسرى ملك الفرس
فعلت كتب لك الى ملك الملوك ينفعك و يكفه عنك، و إن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك و مهلك قومك و مخرب بلادك. و دخلا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد حلقا لحاهما و أعفيا شواربهما فكره النظر اليهما و قال «ويلكما من أمركما بهذا؟» قالا أمرنا ربنا- يعنيان كسرى- فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «و لكن ربى أمرنى بإعفاء لحيتي و قص شاربى» ثم قال «ارجعا حتى تأتيانى غدا» قال و أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الخبر من السماء بان اللَّه قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا و كذا في ليلة كذا و كذا من الليل سلط عليه ابنه شيرويه فقتله. قال فدعاهما فأخبرهما فقالا هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا فنكتب عنك بهذا و نخبر الملك باذام؟ قال «نعم أخبراه ذاك عنى و قولا له إن ديني و سلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى و ينتهى الى الخف و الحافر، و قولا له إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك و ملكتك على قومك من الأبناء» ثم أعطى خرخرة منطقة فيها ذهب و فضة كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عنده حتى قدما على باذام فأخبراه الخبر فقال و اللَّه ما هذا بكلام ملك و إني لأرى الرجل نبيا كما يقول و ليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقا فهو نبي مرسل، و إن لم يكن فسنرى فيه رأيا. فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه أما بعد، فانى قد قتلت كسرى و لم أقتله الا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم و نحرهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، و انطلق الى الرجل الّذي كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه. فلما انتهى كتاب شيرويه الى باذام قال: إن هذا الرجل لرسول فأسلم و أسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن. قال و قد قال باذويه لباذام: ما كلمت أحدا أهيب عندي منه. فقال له باذام هل معه شرط؟ قال لا.
قال الواقدي (رحمه اللَّه): و كان قتل كسرى على يدي ابنه شيرويه ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الآخرة من سنة سبع من الهجرة لست ساعات مضت منها:
قلت: و في شعر بعضهم ما يرشد أن قتله كان في شهر الحرام و هو قول بعض الشعراء:
قتلوا كسرى بليل محرما* * * فتولى لم يمتع بكفن
و قال بعض شعراء العرب:
و
كسرى إذ تقاسمه بنوه* * * بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم* * * أتى و لكل حاملة تمام
و روى الحافظ البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن أبى بكرة أن رجلا من أهل فارس أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إن ربى قد قتل الليلة ربك» قال و قيل له- يعنى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- إنه قد استخلف ابنته فقال «لا يفلح قوم تملكهم امرأة».
قال