البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - عمرة القضاء
الأسود، فقالت قريش: ما يرضون بالمشي أما أنهم لينفرون نفر الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أطواف فكانت سنة.
قال أبو الطفيل: و أخبرنى ابن عباس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعل ذلك في حجة الوداع. تفرد به أحمد من هذا الوجه.
و قال أبو داود ثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد- يعنى ابن سلمة- أنبأنا أبو عاصم الغنوي عن أبى الطفيل قال قلت لابن عباس يزعم قومك أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد رمل بالبيت و أن ذلك سنّة؟
فقال: صدقوا و كذبوا، قلت ما صدقوا و ما كذبوا؟ قال صدقوا رمل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كذبوا ليس بسنة، إن قريشا زمن الحديبيّة قالت دعوا محمدا و أصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام فقدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المشركون من قبل قعيقعان، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأصحابه «ارملوا بالبيت ثلاثا» قال و ليس بسنة. و قد رواه مسلم من حديث سعيد الجريريّ و عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبى حسين و عبد الملك بن سعيد بن أبجر ثلاثتهم عن أبى الطفيل عامر بن وائلة عن ابن عباس به نحوه.
و كون الرمل في الطواف سنة مذهب الجمهور، فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رمل في عمرة القضاء و في عمرة الجعرانة أيضا كما رواه أبو داود و ابن ماجة من حديث عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم عن أبى الطفيل عن ابن عباس فذكره. و ثبت في حديث جابر عند مسلم و غيره أنه (عليه السلام) رمل في حجة الوداع في الطواف، و لهذا قال عمر بن الخطاب فيم الرملان و قد أطال اللَّه الإسلام؟ و مع هذا لا نترك شيئا فعله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و موضع تقرير هذا كتاب الأحكام. و كان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سنة كما ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: إنما سعى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالبيت و بالصفا و المروة ليرى المشركين قوته. لفظ البخاري. و قال الواقدي: لما قضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نسكه في القضاء دخل البيت فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبى جهل: لقد أكرم اللَّه أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول!! و قال صفوان بن أمية: الحمد للَّه الّذي أذهب أبى قبل أن يرى هذا. و قال خالد بن أسيد: الحمد للَّه الّذي أمات أبى و لم يشهد هذا اليوم حتى يقوم بلال ينهق فوق البيت. و أما سهيل بن عمرو و رجال معه لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم. قال الحافظ البيهقي: قد أكرم اللَّه أكثرهم بالإسلام.
قلت: كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي أن هذا كان في عمرة القضاء، و المشهور أن ذلك كان في عام الفتح و اللَّه أعلم.