البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - سرية أخرى مع بشير بن سعد
الى بنى مرة من أرض فدك فاستاق نعمهم، فقاتلوه و قتلوا عامة من معه و صبر هو يومئذ صبرا عظيما، و قاتل قتالا شديدا، ثم لجأ الى فدك فبات بها عند رجل من اليهود، ثم كر راجعا الى المدينة.
قال الواقدي: ثم بعث اليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غالب بن عبد اللَّه و معه جماعة من كبار الصحابة فذكر منهم أسامة بن زيد، و أبا مسعود البدري، و كعب بن عجرة ثم ذكر مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك حليف بنى مرة و قوله حين علاه بالسيف: لا إله إلا اللَّه، و أن الصحابة لاموه على ذلك حتى سقط في يده و ندم على ما فعل. و قد ذكر هذه القصة يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ من بنى سلمة عن رجال من قومه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث غالب بن عبد اللَّه الكلبي الى أرض بنى مرة فأصاب مرداس بن نهيك [حليفا لهم من الحرقة فقتله أسامة.
قال ابن إسحاق:
فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة بن زيد قال أدركته أنا و رجل من الأنصار- يعنى مرداس بن نهيك-] فلما شهرنا عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخبرناه فقال: «يا أسامة من لك بلا إله إلا اللَّه» فقلت يا رسول اللَّه إنما قالها تعوذا من القتل، قال «فمن لك يا أسامة بلا إله إلا اللَّه» فو الّذي بعثه بالحق ما زال يرددها على حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، و أنى أسلمت يومئذ و لم أقتله. فقلت إني أعطى اللَّه عهدا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا اللَّه أبدا، فقال: «بعدي يا أسامة» فقلت بعدك.
قال الامام احمد: حدثنا هشيم بن بشير أنبأنا حصين عن أبى ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يحدث قال بعثنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى الحرقة من جهينة، قال فصبحناهم و كان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، و إذا أدبروا كان حاميتهم، قال فغشيته أنا و رجل من الأنصار، فلما تغشيناه قال لا إله إلا اللَّه فكيف عنه الأنصاري و قتلته، فبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «يا أسامة أ قتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه؟» قال قلت يا رسول اللَّه إنما كان متعوذا من القتل، قال فكررها على حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ. و أخرجه البخاري و مسلم من حديث هشيم به نحوه.
و قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد اللَّه الجهنيّ عن جندب بن مكيث الجهنيّ قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غالب بن عبد اللَّه الكلبي كلب ليث الى بنى الملوح بالكديد و أمره أن يغير عليهم و كنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد [١] لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إني إنما جئت لأسلم، فقال له غالب بن عبد اللَّه إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضيرك رباط يوم و ليلة، و إن كنت على غير ذلك استوثقنا منك، قال فأوثقه رباطا و خلف عليه رويجلا أسود كان معنا و قال: أمكث معه حتى نمر عليك فان نازعك فاحتز رأسه. و مضينا حتى
[١] كذا في الأصل و الحلبية و هو اسم مكان قريب من مكة.