البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١١ - (ذكر قصة الشاة المسمومة و ما كان من أمر البرهان الّذي ظهر عندها و الحجة البالغة فيها)
و قال محمد بن إسحاق: فلما اطمأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام ابن مشكم شاة مصلية، و قد سألت أي عضو أحب الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقيل لها الذراع فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، و معه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأما بشر فأساغها و أما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلفظها ثم قال «إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم» ثم دعا بها فاعترفت، فقال «ما حملك على ذلك؟» قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت إن كان كذابا استرحت منه، و إن كان نبيا فسيخبر.
قال فتجاوز عنها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و مات بشر من أكلته التي أكل.
قال ابن إسحاق و حدثني مروان بن عثمان بن أبى سعيد بن المعلى قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد قال في مرضه الّذي توفى فيه- و دخلت عليه أخت بشر بن البراء بن معرور- «يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهرى من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر».
قال ابن هشام: الأبهر العرق المعلق بالقلب. قال فان كان المسلمون ليرون أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مات شهيدا مع ما أكرمه اللَّه به من النبوة. و
قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا هلال بن بشر و سليمان بن يوسف الحراني قالا ثنا أبو غياث سهل بن حماد ثنا عبد الملك بن أبى نضرة عن أبيه عن أبى سعيد الخدريّ أن يهودية أهدت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شاة سميطا، فلما بسط القوم أيديهم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أمسكوا فان عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة» فأرسل الى صاحبتها «أسمعت طعامك؟» قالت نعم قال «ما حملك على ذلك؟» قالت إن كنت كذابا أن أريح الناس منك، و إن كنت صادقا علمت أن اللَّه سيطلعك عليه. فبسط يده و قال «كلوا بسم اللَّه» قال فأكلنا و ذكرنا اسم اللَّه فلم يضر أحدا منا. ثم قال لا يروى عن عبد الملك بن أبى نضرة إلا من هذا الوجه.
قلت: و فيه نكارة و غرابة شديدة و اللَّه أعلم. و
ذكر الواقدي أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) محاصر خيبر فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيظفر به، فلما قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيبر وجده قد افتتحها، فقال: يا محمد أعطني ما غنمت من حلفائي- يعنى أهل خيبر- فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «كذبت رؤياك» و أخبره بما رأى،
فرجع عيينة فلقيه الحارث بن عوف فقال: أ لم أقل إنك توضع في غير شيء، و اللَّه ليظهرن محمد على ما بين المشرق و المغرب، و إن يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبى الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بنى هارون، إنه لمرسل، و يهود لا تطاوعني على هذا. و لنا