البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - قصة عمرو بن العاص مع النجاشي بعد وقعة الخندق و إسلامه
أمية الضمريّ و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد بعثه اليه في شأن جعفر و أصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع. فقال: مرحبا بصديقى هل أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال: قلت نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا. قال ثم قربته اليه فأعجبه و اشتهاه. ثم قلت له أيها الملك انى قد رأيت رجلا خرج من عندك و هو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا و خيارنا. قال فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت الأرض لدخلت فيها فرقا. ثم قلت أيها الملك و اللَّه لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال أ تسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى فقتله؟ قال قلت أيها الملك أ كذاك هو؟ قال ويحك يا عمرو أطعنى و اتبعه فإنه و اللَّه لعلى الحق و ليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى بن عمران على فرعون و جنوده قال قلت أ فتبايعنى له على الإسلام قال نعم فبسط يده فبايعته على الإسلام ثم خرجت على أصحابى و قد حال رأيي عما كان عليه و كتمت أصحابى إسلامي ثم خرجت عامدا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأسلم فلقيت خالد بن الوليد و ذلك قبيل الفتح و هو مقبل من مكة فقلت أين أبا سليمان؟ فقال و اللَّه لقد استقام الميسم و ان الرجل لنبي أذهب و اللَّه أسلم فحتى متى؟ قال قلت و اللَّه ما جئت الا لأسلم. قال فقدمنا المدينة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتقدم خالد بن الوليد فأسلم و بايع ثم دنوت فقلت يا رسول اللَّه انى أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي و لا أذكر ما تأخر.
قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا عمرو بايع فان الإسلام يجبّ ما كان قبله و ان الهجرة تجبّ ما كان قبلها.
قال فبايعته ثم انصرفت. قال ابن إسحاق و قد حدثني من لا أتهم ان عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما، فقال عبد اللَّه بن ابى الزبعري السهمي:
أنشد عثمان بن طلحة خلفنا* * * و ملقى نعال القوم عند المقبل
و ما عقد الآباء من كل حلفة* * * و ما خالد من مثلها بمحلل
أ مفتاح بيت غير بيتك تبتغي* * * و ما تبتغي من بيت مجد مؤثل
فلا تأمننّ خالدا بعد هذه* * * و عثمان جاءا بالدهيم المعضل
قلت كان إسلامهم بعد الحديبيّة و ذلك ان خالد بن الوليد كان يومئذ في خيل المشركين كما سيأتي بيانه فكان ذكر هذا الفصل في إسلامهم بعد ذلك أنسب و لكن ذكرنا ذلك تبعا للإمام محمد بن إسحاق (رحمه اللَّه) تعالى لأن أول ذهاب عمرو بن العاص الى النجاشي كان بعد وقعة الخندق الظاهر انه ذهب بقية سنة خمس. و اللَّه أعلم