البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٤ - فصل في دعائه (عليه السلام) على الأحزاب
على ثلاث فما أطلق عقاله إلا و هو قائم و لو لا عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إليّ لا تحدث شيئا حتى تأتينى لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه مرحّل فلما رآني أدخلنى الى رجليه و طرح عليّ طرف المرط ثم ركع و سجد و انى لفيه، فلما سلّم أخبرته الخبر.
و سمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين الى بلادهم، و هذا منقطع من هذا الوجه. و قد
روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في صحيحه من حديث الأعمش عن إبراهيم ابن يزيد التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قاتلت معه و أبليت، فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة و قر، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ألا رجل يأتينى بخبر القوم يكون معى يوم القيامة؟ فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله. ثم قال: يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال ائتني بخبر القوم و لا تذعرهم عليّ. قال فمضيت كأنما أمشى في حمّام حتى أتيتهم فإذا أبو سفيان يصلّى ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد قوسى و أردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا تذعرهم عليّ، و لو رميته لأصبته، فرجعت كأنما أمشى في حمام فأتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأصابنى البرد حين رجعت و قررت فأخبرت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ألبسنى من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها فلم أبرح نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قم يا نومان!
و قد روى الحاكم و الحافظ البيهقي في الدلائل هذا الحديث مبسوطا من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد اللَّه الدؤلي عن عبد العزيز ابن أخى حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال جلساؤه: أما و اللَّه لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا و فعلنا فقال حذيفة لا تمنّوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الأحزاب و نحن صافّون قعود و أبو سفيان و من معه فوقنا و قريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا و ما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة و لا أشد ريحا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق و هي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يقولون ان بيوتنا عورة و ما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له و يأذن لهم و يتسللون و نحن ثلاثمائة و نحو ذلك إذ استقبلنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رجلا رجلا حتى أتى عليّ و ما عليّ جنة من العدو و لا من البرد إلا مرط لامرأتى ما يجاوز ركبتي قال: فأتانى و أنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة فقال حذيفة! فتقاصرت للأرض فقلت: بلى يا رسول اللَّه كراهية أن أقوم فقمت فقال انه كائن في القوم خبر فأتنى بخبر القوم. قال: و أنا من أشد الناس فزعا و أشدهم قرا قال: فخرجت فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «اللَّهمّ احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوقه و من تحته» قال فو اللَّه