من قصة الديانات والرسل - فوزي آل سيف - الصفحة ١٩٤ - ملاحظتان في ولادة المسيح
وبحسب اتفاقهم- كما تروي المصادر المسيحية - نهض رجلٌ وبيده عملةٌ من ذهب قد طُبعَ عليها اسم الحاكم الروماني بحسب المتبّع في العملات، وسأل الرجلُ النبيَّ عيسى ما إذا كان يسوغُ له الامتناع عن دفع تلك العملة كضريبةٍ للسلطة الرومانية أم لا.
ومن الواضح أنّ هذا فخ قد نصبوه له، فإن إجابة المسيح عيسى بالامتناع عن الدفع؛ تُظهر للحاكم الروماني صوابية مناوئيه وأعدائه من أنّه يحرّض الناس على عصيان الرومان. ومن جهة أخرى فإن إجابته بجواز دفع الضرائب للرومان؛ ينزع عنه المصداقية عند المعتقدين به والمتابعين له؛ إذ كيف يأمرهم بشيءٍ خارجٍ عن الدين.
هنا كانت إجابته ٧: "أعطِ ما لقيصرَ لقيصر َ، وأعطِ ما لله لله "[١]أي أعطِ قيصرَ المالَ الذي يستحقه ويملكه بالفعل، وعدا ذلك لا تعطه، وأما ما هو لله تعالى ومن حقوقه فلا ينبغي أداؤه إلا إلى الخالق.. بالطبع ينبغي البحث في موضع آخر؛ عمّاذا يملك قيصر والحاكم وما هي حقوقه؟
استمرّ تحريض الصدوقيين على النبي عيسى بن مريم ٧؛ فارتأتْ الدولة الرومانية التخلّص منه.
حضر الجنود الرومان إلى مجلس درس عيسى بن مريم، وساعدهم في تمييزه والقبض عليه "يهوذا الاسخريوطي"[٢]وهو رجلٌ اندسّ بين أتباع عيسى لمصلحة مناوئيه مقابلِ حِفنةٍ من المال.
[١] من يتأمل هذه المقولة ـ إن صح صدورها عن المسيح بن مريم ـ يلاحظ أنه استعمل الحكمة التامة والتقية في الخروج من الفخ الذي نصب له وفي نفس الوقت لم يخالف معتقداته وأصوله الإيمانية، وبذلك يكون من السابقين إلى استعمال التقية كحال سائر الانبياء والأوصياء، ويستفاد منها أيضًا بأن ما (طار) به بعض المفكرين من أنه تدل على لزوم الفصل بين الدين والدولة وما بنوا عليه من أسس وبناءات لا تصح مع ملاحظة ظروف قول الكلمة وأجوائها واستهدافاتها.
[٢] الشيرازي؛ الشيخ ناصر مكارم: الأمثل ٢/٥١٤ وكذلك إنجيل مرقص ٣/ ١٩