المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٢١ - الفصل السادس في سبب المنامات الصادقة
فهذه الانواع الثلاثة من الرؤيا مما لا عبرة بها بل هى من قبيل اضغاث الاحلام و اما الرؤيا الصادقة فالكلام في ذكر سببها مبني على مقدمتين^ (احداهما) ان جميع الامور الكائنة في العالم مما كان و مما سيكون و مما هو كائن موجود في علم البارى تعالى و الملائكة العقلية و النفوس السماوية^ (و ثانيتهما) ان النفوس الناطقة من شأنها ان تتصل بتلك المبادى و تنقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادى و ان عدم حصول تلك الصور ليس للبخل من جهة تلك المبادى او لعدم كون النفس قابلة لتلك الصور بل لاجل ان انغماس النفس في البدن و علائقه صار مانعا من ذلك الاتصال التام^ (و اذا عرفت ذلك فنقول) ان النفس اذا حصل لها ادنى فراغ من تدبير البدن اتصلت بطباعها بالمبادى فينطبع فيها من الصور الحاصلة عند تلك المبادى ما هو اليق بتلك النفس و اولى الامور بها ما يتصل بذلك الانسان او باصحابه و اهل بلده و اقليمه فان كان الانسان منجذب الهمة الى المعقولات لاحت له منها اشياء و من كانت همته بمصالح الناس رءاها^ (ثم ان المتخيلة) التي من طباعها محاكاة الامور تحاكى تلك المعانى الكلية المنطبعة في النفس بصور جزئية ثم تنطبع تلك الصور في الحس المشترك فتصير مشاهدة ثم ان الصور التي ركبتها المتخيلة من ذلك المعنى اما ان تكون شديدة المناسبة لذلك المعنى حتى لا يكون بين المعنى الذي ادركته النفس و بين الصور التي ركبتها المتخيلة فرق الا من جهة الكلية و الجزئية فتكون الرؤيا غنية عن التغير و ان لم تكن كذلك الا انه مع ذلك بين تلك الصورة و بين ذلك المعنى نوع مناسبة مثل ان تصور المعنى بصورة ضده او بصورة لازم من لوازمه فحينئذ يحتاج الى التغير و فائدة التغير التحليل بالعكس اعنى ان يرجع من الصورة التي