المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٣٤ - الفصل الثاني في بيان ان المدرك لجميع المدركات بجميع اصناف الادراكات هو النفس
(فان قيل) ان نفسى تدبر بدنا كليا ثم انه يتخصص ذلك التدبير بتخصص القابل^ (فنقول) ان كل عاقل يجد من نفسه انه لا يحاول تدبير بدن كلى بل مقصوده تدبير بدنه الخاص و ايضا فتخصص هذا التدبير بسبب القابل انما يعقل ان كان البدن الشخصى قابلا لتدبير معين لا يقبله سائر الابدان و ليس الامر كذلك فان كل تدبير يقبله سائر الابدان فيستحيل ان يكون تخصص التدبير لتخصص القابل فهذه هى الوجوه الكلية في بيان ان النفس هى المدركة للجزئيات^ (و هاهنا وجوه خاصة) الأول ان يدعى ان محل الشهوة و النفرة ليس هو الجسم لان كل جسم كما ثبت منقسم فلو كان محل الشهوة و النفرة هو الجسم لم يمتنع ان يقوم باحد طرفى الجسم شهوة و بطرفه الآخر نفرة حتى يكون الشخص الواحد في الحالة الواحدة مشتهيا للشيء و نافرا عنه و ذلك محال^ (الثاني) ان يدعى ان القوة الوهمية قوة غير جسمانية و الا لانقسمت العداوة و الصداقة لانقسام محلهما فحينئذ يكون للصداقة ربع و ثلث و ذلك بعيد جدا^ (الثالث) ان يدعى ان الحفظ و الخيال قوى غير جسمانية و يحتج بوجوه ثلاثة^ (الأول) انا قد دللنا على ان الصور التي يشاهدها النائمون و الممرورون او يتخيلها المتخيلون امور وجودية محتاجة الى محل و من الظاهر انه يمتنع ان يكون محلها جزأ من البدن لما ثبت في بداية العقول من استحالة انطباع العظيم في الصغير فاذا محلها شيء غير جسمانى و هو النفس^ (الثاني) ان الصور الخيالية لو كانت منطبعة في الروح الدماغيه لكان لا يخلو اما ان يكون لكل صورة موضع غير موضع الصورة الاخرى