نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٨٢ - ٤٥ - و من كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى، و هو عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعى إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها
قتالى لما ولّيت عنها، و لو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها. و سأجهد فى أن أطهّر الأرض من هذا الشّخص المعكوس، و الجسم المركوس [١] حتّى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد [٢]
[و من هذا الكتاب، و هو آخره]:
إليك عنّى يا دنيا فحبلك على غاربك [٣]، قد انسللت من مخالبك، و أفلتّ من حبائلك، و اجتنبت الذّهاب فى مداحضك. أين القوم الّذين غررتهم بمداعبك [٤] أين الأمم الّذين فتنتهم بزخارفك؟ ها هم رهائن القبور، و مضامين اللّحود! و اللّه لو كنت شخصا مرئيّا، و قالبا حسّيّا، لأقمت عليك حدود اللّه فى عباد غررتهم بالأمانى و [أمم] ألقيتهم فى المهاوى، و ملوك أسلمتهم إلى التّلف
[١] جهد - كمنع -: جد: و المركوس: من الركس، و هو رد الشىء مقلوبا و قلب آخره على أوله، و المراد مقلوب الفكر.
[٢] المدرة - بالتحريك -: قطعة الطين اليابس، و حب الحصيد: حب النبات المحصود كالقمح و نحوه، أى: حتى يطهر المؤمنين من المخالفين.
[٣] إليك عنى: اذهبى عنى، و الغارب: الكاهل و ما بين السنام و العنق. و الجملة تمثيل لتسريحها تذهب حيث شاءت. و انسل من مخالبها: لم يعلق به شىء من شهواتها، و الحبائل: جمع حبالة، و هى شبكة الصياد، و أفلت منها: خلص، و المداحض: المساقط.
[٤] و المداعب: جمع مدعبة، من الدعابة، و هى المزاح، و التاءات و الكافات كلها بالكسر خطابا للدنيا.