نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٩٠ - ١٥٠
يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، و يرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطروفتن [١]، و إن افتقر قنط و وهن، يقصّر إذا عمل، و يبالغ إذا سأل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية [٢]، و سوّف التّوبة، و إن عرته محنة انفرج عن شرائط الملّة [٣]، يصف العبرة و لا يعتبر [٤]، و يبالغ فى الموعظة و لا يتّعظ، فهو بالقول مدلّ [٥]، و من العمل مقلّ، ينافس فيما يفنى، و يسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرما [٦]، و الغرم مغنما، يخشى الموت، و لا يبادر الفوت [٧] يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه، و يستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على النّاس طاعن، و لنفسه مداهن، اللّهو مع
[١] بطر - كفرح -: اغتر بالنعمة، و الغرور فتنة، و القنوط: اليأس، و الوهن: الضعف
[٢] أسلف: قدم، و سوف: أخر.
[٣] شرائط الملة: الثبات و الصبر، و استعانة اللّه على الخلاص عند عرو المحن أى: طروق البلايا. و «انفرج عنها» أى: انخلع و بعد
[٤] العبرة - بالكسر - تنبه النفس لما يصيب غيرها فتحترس من إتيان أسبابه
[٥] أدل على أقرانه: استعلى عليهم
[٦] الغنم - بالضم -: الغنيمة، و المغرم: الغرامة، و الأعمال العظيمة غنيمة العقلاء، و الشهوات خسارة الأعمار
[٧] الفوت: فوات الفرصة و انقضاؤها، و بادره: عاجله قبل أن يذهب.