فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٠ - العدالة ـ مفهومها وحقيقتها وطرق إثباتها الاستاذ الشيخ محسن الاراكي
قل : إنّه تعريف اُصولي للعدالة أو بيان للأمارة على العدالة ، وليس بياناً لحقيقتها . وظاهر العبارة هنا يقتضي ذلك أيضاً ، فإنّ قوله : « والدلالة على ذلك كلّه » ظاهر في إرادة بيان الطريق والأمارة الكاشفة عن العدالة بوضوح .
والحاصل : إنّ الذي يظهر من الرواية ظهوراً واضحاً لمن أمعن النظر فيها : أنّ عبارة : « أن يعرفوه بالستر والعفاف » إلى قوله : « وغير ذلك » تعريف لحقيقة العدالة ، وهو ينطبق على ما ذكرناه في تعريفها .
وقوله : « والدلالة على ذلك كلّه » فما بعده ، بيان للأمارة الكاشفة عن العدالة ، وهذا واضح لمن تأمّل الرواية من صدرها إلى ذيلها .
وممّا يترتّب على ما ذكرناه من مفهوم العدالة أنّها تزول بمجرّد زوال أحد الجزءين ، وزوال الجزء الأول ـ وهو الملكة ـ إنّما يتحقّق بتكرّر المنافي بالكيفية والمقدار الذي يكشف عن زوال الاعتصام النفسي أي الملكة ، ولا تعود الملكة إلا بعد استمرار السلامة ومضيّ زمن معتدّ به من غير ارتكاب مخالفة .
ثمّ إنّ زوال الملكة وعودتها يختلفان باختلاف الموارد ، فقد يرتكب معصية كبيرة عظيمة كيفاً كقتل وليّ من أولياء الله مثلاً ، فإنّ ذلك يكشف عن زوال الملكة وإن لم يتكرّر ، وقد يرتكب معصية كبيرة توفّرت على مغريات شديدة لا يستطيع التغلّب عليها إلا الأوحدي من الناس كالزنا مثلاً في ظروف مغرية شديدة الاغراء ، فإنّ ذلك ليس معناه زوال الملكة وإن كان موجباً لزوال العدالة ، فإنّ العدالة تسقط حينئذٍ بارتكاب هذه المعصية ـ لزوال الجزء الثاني من العدالة ـ ولكن ذلك ليس معناه زوال الملكة ، فلو تاب من ذنبه في هذه الصورة عاد إليه وصف العدالة ؛ لوجود ركنيها ، وقد يتفق أن يعود إلى مثل هذا الذنب في ظروف مماثلة أو أشدّ منها ، وتكون الملكة باقية رغم ذلك مع زوال العدالة ، فتعود العدالة بعد التوبة كذلك ، فزوال الجزء الثاني يتحقّق بمجرّد تحقّق المعصية المنافية للعدالة ، ولا تعود العدالة حينئذٍ إلا بعد التوبة منها ، بخلاف الجزء الأول