فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٩ - دراسة مقارنة بين نظريتي الحسبة ومنطقة الفراغ الاُستاذ السيد كمال الحيدري
وهكذا نرى أنّ بذل فضل الماء والكلأ فعل مباح بطبيعته وقد ألزمت به الدولة إلزاماً تكليفياً ، تحقيقاً لمصلحة واجبة .
ب ـ ورد عن النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) النهي عن بيع الثمرة قبل نضجها ، ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام) : أنّه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسمّاة من أرض ، فتهلك ثمرة تلك الأرض كلّها ؟ فقال : « قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) فكانوا يذكرون ذلك ، فلمّا رآهم لا يدعون الخصومة ، نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ، ولم يحرّمه ، ولكنّه فعل ذلك من أجل خصومتهم » (٢٨).
وفي حديث آخر : أنّ رسول الله أحلّ ذلك فاختلفوا . فقال : « لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها » (٢٩).
فبيع الثمرة قبل بدو صلاحها عملية مباحة بطبيعتها وقد أباحتها الشريعة الإسلامية بصورة عامّة ، ولكن النبيّ(صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن هذا البيع بوصفه ولي الأمر ؛ دفعاً لما يسفر عنه من مفاسد وتناقضات .
وبهذا يثبت له(صلى الله عليه و آله و سلم) أن يمنع من الحلال إذا دعت حاجة المجتمع إلى ذلك ، وصريح الرواية أنّ نهيه(صلى الله عليه و آله و سلم) ليس حكماً شرعياً إلهيّاً ؛ قال : « ولم يحرّمه » بل هو إجراء تنظيميّ وإداريّ .
ج ـ جاء في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر أوامر مؤكّدة بتحديد الأسعار ، وفقاً لمقتضيات العدالة . فقد تحدّث الإمام (عليه السلام) إلى واليه عن التجّار وأوصاه بهم ، ثم عقّب على ذلك قائلاً : « واعلم ـ مع ذلك ـ أنّ في كثير منهم ضيقاً فاحشاً ، وشحّاً قبيحاً ، واحتكاراً للمنافع ، وتحكّماً في البياعات . وذلك باب مضرّة للعامّة ، وعيب على الولاة . فامنع من الاحتكار ؛ فإنّ رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) منع منه ، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين في البائع والمبتاع » (٣٠).
(٢٨) وسائل الشيعة ١٨ : ٢١٠ ، ب ١ من بيع الثمار ، ح ٢ .
(٢٩) الكافي ( الشيخ الكليني ) ٥ : ١٧٥ ، ح ٤ .
(٣٠) نهج البلاغة ( بتبويب وشرح صبحي الصالح ) الكتاب ٥٣ : ٤٢٦ .