فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦١ - دراسة مقارنة بين نظريتي الحسبة ومنطقة الفراغ الاُستاذ السيد كمال الحيدري
يستطيع أن يمنع ذلك .
ويتعرّض السيد الشهيد في معرض حديثه عن منطقة الفراغ إلى هذا المثال المتقدّم حيث يقول : « فالمبدأ التشريعي القائل مثلاً : إنّ من عمل في أرض وأنفق عليها جهداً حتى أحياها ، فهو أحقّ بها من غيره ... يعتبر في نظر الإسلام عادلاً ؛ لأنّ من الظلم أن يساوي بين العامل الذي أنفق على الأرض جهده ، وغيره ممّن لم يعمل فيها شيئاً . ولكن هذا المبدأ بتطوّر قدرة الإنسان على الطبيعة ونموّها ، يصبح من الممكن استغلاله ، ففي عصر كان يقوم إحياء الأرض فيه على الأساليب القديمة ، لم يكن يتاح للفرد أن يباشر عمليات الإحياء إلا في مساحات صغيرة ، وأمّا بعد أن تنمو قدرة الإنسان وتتوفّر لديه وسائل السيطرة على الطبيعة ، فيصبح بإمكان أفراد قلائل ممّن تؤاتيهم الفرصة أن يحيوا مساحة هائلة من الأرض باستخدام الآلات الضخمة ويسيطروا عليها ، الأمر الذي يزعزع العدالة الاجتماعية ومصالح الجماعة ، فكان لابدّ للصورة التشريعية من منطقة فراغ ، يمكن ملؤها حسب الظروف ، فيسمح بالإحياء سماحاً عامّاً في العصر الأوّل ويمنع الأفراد في العصر الثاني ـ منعاً تكليفياً ـ عن ممارسة الإحياء ، إلا في حدود تتناسب مع أهداف الاقتصاد الإسلامي وتصوّراته عن العدالة . وعلى هذا الأساس وضع الإسلام منطقة الفراغ في الصورة التشريعية التي نظّم بها الحياة الاقتصادية ، لتعكس العنصر المتحرّك وتواكب تطوّر العلاقات بين الإنسان والطبيعة ، وتدرأ الأخطار التي قد تنجم عن هذا التطوّر المتنامي على مرّ الزمن » (١٥).
فالفقيه يستطيع أن يوجب أو يحرّم ولكن ضمن دائرة المباحات ، والخصوصية المهمّة في هذه الدائرة هي أنّ هذه الأحكام تصدر من الفقيه الجامع للشرائط في دائرة منطقة الفراغ حيث تتعنون فيها بعنوان الأحكام الثانوية التي تصدر بحسب التقسيم الذي ذكرناه فيما سبق عند تقسيم الحكم إلى أوّلي
(١٥) اقتصادنا ، ( السيد محمد باقر الصدر ) : ٦٨٣ ـ ٦٨٤ .