فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٠ - دراسة مقارنة بين نظريتي الحسبة ومنطقة الفراغ الاُستاذ السيد كمال الحيدري
{وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } (١٢)ـ : « وحدود منطقة الفراغ التي تتّسع لها صلاحيات وليّ الأمر ، تضمّ ـ في ضوء هذا النص الكريم ـ كلّ فعل مباح تشريعياً بطبيعته ، فأيّ نشاط وعمل لم يرد نصّ تشريعيّ يدلّ على حرمته أو جوبه ... يُسمح لوليّ الأمر بإعطائه صفة ثانوية ، بالمنع عنه أو الأمر به . فإذا منع الإمام عن فعل مباح بطبيعته أصبح حراماً ، وإذا أمر به أصبح واجباً .
وأمّا الأفعال التي ثبت تشريعياً تحريمها بشكل عامّ ، كالربا مثلاً ، فليس من حقّ وليّ الأمر ، الأمر بها . كما أنّ الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه ، كإنفاق الزوج على زوجته لا يمكن لوليّ الأمر المنع عنه ؛ لأنّ طاعة اُولي الأمر مفروضة في الحدود التي لا تتعارض مع طاعة الله وأحكامه العامة . فألوان النشاط المباحة بطبيعتها في الحياة الاقتصادية هي التي تشكّل منطقة الفراغ » (١٣).
وهنا يأتي كلام السيد الشهيد الصدر ، حيث يرى بأنّ هذه المنطقة من التغيّرات والمباحات التي هي بحكمها وأصلها الأوّلي مباحة ، هي التي يتحرّك الفقيه أو وليّ الأمر أو الحاكم الإسلامي (١٤)في دائرتها ، فيستطيع أن يتدخّل لمصلحة الإسلام والمسلمين ، وأن يوجب اُموراً أو يحرّمها ضمن هذه الدائرة .
فمثلاً يستطيع الإنسان وفقاً لقانون « من أحيا أرضاً مواتاً فهي له » أن يحيي أيّة منطقة يشاء ، وتكون ملكاً له ، ولكن لو وَجَد وليّ الأمر بأنّ إحياء هذه المنطقة يكون بضرر المسلمين ؛ لأنّ فيها معادن ثمينة جدّاً ، وعند إحيائها تكون من نصيب المحيي وحده من دون أن يستفيد منها عموم المسلمين ، فهنا سيقف الوليّ أمام ذلك ، فقد يمنع من عملية الإحياء في هذه الحال ، أو يحدّد نسبة الإحياء وما شابه .
وفي الغابات أيضاً ، قد يذهب الإنسان ويستفيد من الأخشاب الموجودة فيها ، ولكن لو نظر الحاكم الإسلامي ووجد في نظريات البيئة بأنّ الاستفادة بهذه الطريقة وبهذا المقدار من الغابات سيؤدّي إلى ضرر كبير على المسلمين ، فإنّه
(١٢) النساء : ٥٩ .
(١٣) اقتصادنا ، ( السيد محمد باقر الصدر ) : ٦٨٤ .
(١٤) لعلّ التعبير بوليّ الأمر يكون أدّق من التعبير بالحاكم الإسلامي ؛ لأنّ الحاكم الإسلامي كرئيس الجمهورية قد لا يكون مجتهداً جامعاً للشرائط ، ومدار كلامنا هو حول الذي يعطي الشرعية لهذا النظام وهو وليّ الأمر . لذا فإننا عندما نعبّر بحاكم إسلاميّ ، فمرادنا منه ليس المسؤول الإجرائي ، بل من يمنح الشرعية لذلك النظام .