فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣١ - دراسة فقهية حول الهدنة الشيخ مرتضی الترابي
المصالحة (٦٤)فيما لو جنح الكفار للسلم ولم يكن قبوله مخالفاً لمصلحة المسلمين ، وعلي هذا نرفع اليد عن ظهور أدلّة الجهاد في الوجوب ، ويحمل علي الاستحباب أو يستنتج من العلاقات والمناسبات الخاصة القائمة بين الحكم والموضوع ومن كون أمثال هذه الاُمور بيد الحاكم عادة ، أن الحاكم الشرعي هو الذي يختار أحد الأمرين طبقاً للظروف الداخلية والخارجية للمسلمين ، أو يقال بتخصيص أدلّة الجهاد بأدلّة السلم ؛ لكون أدلّة السلم أخص مورداً من أدلّة الجهاد ؛ لأن أدلّة السلم مختصة بما لو جنح الكفار للسلم فيكون الجهاد واجباً في غير موارد الهدنة ، وعلي فرض استقرار التعارض تكون النتيجة أيضاً إمّا التخيير أو التساقط والرجوع إلي أصالة البراءة من وجوب أحد الأمرين خصوصاً الجهاد ؛ إذ لا امتنان في رفع الأمر بالسلم عن الأمة .
إلا أن يقال : إنّ قوله تعالي : {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ... } (٦٥)قرينة علي أن الآيات الدالّة علي السلم مختصة بزمن ضعف المسلمين ، ويفهم من هذه الآية أن الدعوة إلي السلم في زمن قدرة المسلمين علامة ضعف الإيمان ومحرم شرعاً . وعلي هذا يكون عقد الهدنة الدائمة باطلاً ؛ لمخالفته مع كتاب الله تعالي ، أي الآيات الدالّة علي وجوب الجهاد .
الوجه الثاني : بناء علي القول بعدم جواز الجهاد الابتدائي في زمان غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام) لايكون عقد الهدنة الدائمة مخالفاً لوجوب الجهاد الفعلي ؛ لعدم كون وجوبه حيئنذٍ فعلياً ، ولذا يكون عقد الهدنة الدائمة مع الكفار ممّا لا مانع له شرعاً ، بمعني أن زمان الغيبة الكبرى للامام المهدي (عجل الله تعالي فرجة الشريف) هو نفسه زمان هدنة حكمية بواسطة الأمر الوارد عن المعصومين(عليهم السلام) في عدم جواز الجهاد الابتدائي في هذا الزمان ، فعقد الهدنة في مثل هذا الزمان ولو بصورة دائمة ـ بحيث لا يشمل ما بعد الغيبة أي زمان ظهور الإمام (عجل الله تعالي فرجة الشريف) ـ يكون جائزاً (٦٦).
فتلخّص ممّا ذكرنا : أنه علي القول بعدم جواز الجهاد الابتدائي في زمن غيبة
(٦٤) ولا دلالة فيها علي وجوب السلم : لأنّ الظاهر أنّها وردت مورد توهم الحظر .
(٦٥) محمد : ٣٥ .
(٦٦) ولا يتوهم أنّه بناءً علي القول بعدم جواز الجهاد الابتدائي في زمان الغيبة تكون الهدنة كحكم شرعي حاكما علي علاقات المسلمين مع الكفار ومع ذلك لا يبقي حاجة لعقد الهدنة بل تكون لغواً ؛ لأنّه أولاً : عقد الهدنة يوجب أمن المسلمين من هجوم الكفار علي المسلمين . وثانياً : مسألة الصلح من المسائل التي يهتم العقلاء بها غاية الاهتمام ولذلك كل أمر يكون موجباً لاستحكام الصلح يكون ذا أثر عقلائي كما لا مجال لتوهم أن الهدنة إذا وجبت تكون خارجة عن تحت القدرة لكون المكلف ملزما بها شرعاً فلا يصح العقد عليها لاشتراط القدرة في متعلق العقد ؛ وذلك لأنّ ما هو مشروط في صحة العقد هي القدرة التكوينية لفعل المتعلق لا القدرة الشرعية . وأما بطلان العقد علي المحرمات فليس لاجل عدم القدرة عليها ، بل لأنّ الأمر بالوفاء فيها معارض مع نهي الشارع للفعل المحرم فلا يكون شاملا لها . علي أنّه لو سلمنا اشتراط القدرة الشرعية في العقود فإنّ معناه هو عدم وجود المانع من قبل الشرع لفعل المتعلق فلا تصح العقد علي المحرمات لوجود المانع الشرعي وليس معني القدرة هو تساوي الفعل والترك شرعاً إذ لا دليل علي اشتراط القدرة بهذا المعني .