فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٩ - دراسة فقهية حول الهدنة الشيخ مرتضی الترابي
قد أشار (رحمة الله) إلي طائفتين من الأدلّة ، طائفة تأمر بالسلم والاجتناب عن التهلكة بصورة مطلقة ، والطائفة الاُخرى تأمر بالجهاد والحرب مطلقاً ، ورأى أنّ الجمع بين هاتين الطائفتين من الأدلّة هو الحكم بالتخيير بين الحرب والصلح إذا كان في الصلح مصلحة .
وكذلك استدلّ (رحمة الله) بقيام الإمام الحسين (عليه السلام) حيث اختار طريق الجهاد مع الأعداء والمنحرفين مع وجود المصلحة في الصلح في الظاهر ، وكذلك بتوجيه النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) نفراً من أصحابه إلي هذيل فقاتلوا حتي قتلوا ولم ينج منهم إلا رجل واحد فإنه أسر وقتل بمکة ، واستدلّ (رحمة الله) أيضاً بمهادنة النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) مع يهود المدينة (٤٥) .
والظاهر أنّ استدلاله بقيام الإمام الحسين (عليه السلام) وتوجيه النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) بعدد من أصحابه إلي هذيل مبني علي أنه إن کان ترك الهدنة واختيار طريق الجهاد فيما لم يكن الغلبة علي العدو مقدوراً في الظاهر ـ كما هو كذلك في هذين الموردين ـ جائزاً يكون لا محالة ترجيح الجهاد علي الهدنة فيما يكون الغلبة علي العدو ممكناً جائزاً قطعاً ، فلا تكون الهدنة واجبة بحال من الأحوال .
مناقشة أدلّة العلامة (رحمة الله) لإثبات التخيير :
لابدّ من الانتباه إلي أنّ استدلاله بقوله تعالي : {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } وكون هذه الآية معارضة مع إطلاق آيات الجهاد قابل للمناقشة ؛ لأنّ کون تشريع الجهاد مبنياً علي التضحية وعلي بذل المال والنفس في سبيل الله ، دليل علي أنّ آيات الجهاد حاكمة علي النهي من إلقاء النفس إلي التهلكة . وإلا يلزم أن يكون الفرار من الزحف في صورة خوف الهلاك جائزاً أيضاً مع أنه غير جائز (٤٦).
واستدلاله بخروج الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً مخدوش بما يلي :
(٤٥) قال العلامة الحلي (رحمة الله) في المنتهي : « والهدنة ليست واجبة على كل تقدير سواء كان بالمسلمين قوة أو ضعف لكنها جايزة لقوله تعالى :
(٤٦) هذا هو المشهور إلا أن العلامة في المختلف والقواعد ذهب إلي جوازه في الصورة المذكورة . راجع : جواهر الكلام ٢١ : ٦١ .