فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٢ - دراسة فقهية حول الهدنة الشيخ مرتضی الترابي
فإنّ أدلّة الجهاد تدلّ بظاهرها علي وجوب الجهاد والحثّ عليه لنشر الدين ، والآيات الداعية إلي السلم نصّت علي جواز المصالحة (١٧)فيما لو جنح الكفار للسلم ولم يكن قبوله مخالفاً لمصلحة المسلمين .
وبعد التعارض نرفع اليد عن ظهور أدلّة الجهاد في الوجوب ، وتحمل علي الاستحباب أو يستنتج من العلاقات والمناسبات الخاصة القائمة بين الحكم والموضوع ومن كون أمثال هذه الاُمور بيد الحاكم عادة أنّ الحاكم الشرعي هو الذي يختار أحد الأمرين طبقاً للظروف الداخلية والخارجية للمسلمين (١٨)أو يقال بتخصيص أدلّة الجهاد بأدلّة السلم ؛ لكون مورد أدلّة السلم أخصّ من أدلّة الجهاد ؛ لأنّ أدلّة السلم مختصة بما لو جنح الكفار ، للسلم فيكون الجهاد واجباً في غير موارد الهدنة .
وعلي فرض استقرار التعارض وعدم القول بحلّه بإحدى الطرق المذکورة تكون النتيجة أيضاً إمّا التخيير أو التساقط (١٩)والرجوع إلي أصالة البراءة من وجوب أحد الأمرين خصوصاً الجهاد ؛ إذ لا امتنان في رفع الأمر بالسلم عن الأمة .
ولا بأس هنا بالإشارة إلي آيات السلم : منها قوله تعالي : {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ... } (٢٠)، وكذلك قوله تعالي : {فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } (٢١)، وكذلك قوله تعالي : {لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (٢٢).
فإنّ ظاهر هذه الآيات هو جواز الاستمرار في السلم مع الكفار وعدم التعرّض لهم فيما لم يقاتلوا المسلمين وأبدوا رغبتهم للسلم . حتي أنّه يستفاد من الآية الأخيرة استحسان البرّ والقسط إليهم فيما لم تصب المسلمين أذية منهم .
(١٧) ولا دلالة فيها علي وجوب السلم ؛ لأنّ الظاهر أنّها وردت مورد توهم الحظر .
(١٨) بل يمكن أن يقال : إنّ التخيير بين الثورة ضد الطواغيت الموجب للخطر علي النفس وبين التقية ثابت حتي بالنسبة إلي الأفراد ، كما يدل علي ذلك تقرير النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) صمود سُميّة وياسر والدي عمار ضد كفار قريش حتي الشهادة وفعل عمار الذي اختار طريق التقية وحفظ النفس ، وكذلك من تقرير الأئمة قيام زيد الشهيد في مقابل حكام الجور مع عدم مشاركتهم له في القيام وعدم السماح لأصحابهم في ذلك . ويظهر من ذلك أنّ ما يقال : أنّ أمر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما كان ملازما لمخاطرة النفس دائر بين الوجوب والحرمة غير تام . علي هذا يحمل طريق الفقهاء حيث اختار بعضهم طريق الثورة والتحرک ضد حكام الجور واختار البعض الآخر طريق السكوت والصمود .
(١٩) علي اختلاف المبني في باب تعارض الأدلة . راجع : کفاية الاُصول ( محمد کاظم الخراساني ) : ٢ مبحث التعادل والتراجيح .
(٢٠) الأنفال : ٦١ .
(٢١) النساء : ٩٠ .
(٢٢) الممتحنة : ٨ .