نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٨ - ٢٥ - و من وصيّة له عليه السّلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات، و إنما ذكرنا هنا جملا منها ليعلم بها أنه كان يقيم عماد الحق، و يشرع أمثلة العدل فى صغير الأمور و كبيرها، و دقيقها و جليلها
و إن أنعم لك منعم [١] فانطلق معه من غير أن تخيفه و توعده، أو تعسفه، أو ترهقه! فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضّة، فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلاّ بإذنه، فإنّ أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلّط عليه و لا عنيف به، و لا تنفّرنّ بهيمة و لا تفزعنّها، و لا تسوءنّ صاحبها فيها و اصدع المال صدعين [٢] ثمّ خيّره: فإذا اختار فلا تعرّضنّ لما اختاره، ثمّ اصدع الباقى صدعين، ثمّ خيّره: فإذا اختار فلا تعرّضنّ لما اختاره.
فلا تزال كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّه فى ماله، فاقبض حقّ اللّه منه، فإن استقالك فأقله [٣]، ثمّ اخلطهما، ثمّ اصنع مثل الّذى صنعت أوّلا حتّى تأخذ حقّ اللّه فى ماله. و لا تأخذنّ عودا [٤] و لا هرمة، و لا مكسورة، و لا مهلوسة، و لا ذات عوار، و لا تأمننّ عليها إلاّ من تثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتّى يوصّله إلى وليّهم فيقسمه بينهم، و لا توكّل بها إلاّ ناصحا شفيقا
[١] «أنعم لك منعم» أى: قال لك «نعم» أو تعسفه: تأخذه بشدة، و ترهقه: تكلفه ما يصعب عليه.
[٢] أى: اقسمه قسمين، ثم خير صاحب المال فى أيهما
[٣] أى: فان ظن فى نفسه سوء الاختيار، و أن ما أخذت منه الزكاة أكرم مما فى يده، و طلب الاعفاء من هذه القسمة، فأعفه منها، و اخلط، و أعد القسمة
[٤] العود - بفتح فسكون -: المسنة من الأبل، و الهرمة: أسن من العود، و المهلوسة: الضعيفة، تقول: هلسه المرض، أى: أضعفه. و العوار - بفتح العين، و تضم العيب -: