نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٢٦ - ٥٨ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه إلى أهل الأمصار، يقص فيه ما جرى بينه و بين أهل صفين
و نبيّنا واحد، و دعوتنا فى الاسلام واحدة، و لا نستزيدهم فى الايمان باللّه و التّصديق برسوله و لا يستزيدوننا: الأمر واحد إلاّ ما اختلفنا فيه من دم عثمان، و نحن منه براء! فقلنا: تعالوا نداو ما لا يدرك اليوم باطفاء الثّائرة [١] و تسكين العامّة، حتّى يشتدّ الأمر و يستجمع فنقوى على وضع الحقّ مواضعه، فقالوا: بل نداويه بالمكابرة! فأبوا حتّى جنحت الحرب و ركدت، و وقدت نيرانها و حمست. فلمّا ضرّستنا و إيّاهم [٢]، و وضعت مخالبها فينا و فيهم، أجابوا عند ذلك إلى الّذى دعوناهم إليه، فأجبناهم إلى ما دعوا، و سارعناهم إلى ما طلبوا، حتّى استبانت عليهم الحجّة، و انقطعت منهم المعذرة. فمن تمّ على ذلك منهم فهو الّذى أنقذه اللّه من الهلكة، و من لجّ و تمادى فهو الرّاكس [٣]
[١] النائرة: اسم فاعل من «نارت الفتنة تنور» إذا انتشرت، و النائرة أيضا العداوة و الشحناء. و المكابرة: المعاندة، أى: دعاهم للصلح حتى يسكن الاضطراب ثم يوفيهم طلبهم فأبوا إلا الاصرار على دعواهم. و جنحت الحرب: مالت، أى: مال رجالها لا يقادها، و ركدت: استقرت و قامت، و وقدت - كوعدت - أى: اتقدت و التهبت، و حمس - كفرح -: اشتد و صلب، و يروى «حمشت»
[٢] ضرستنا: عضتنا بأضراسها
[٣] الراكس: الناكث الذى قلب عهده و نكثه. و الراكس أيضا الثور الذى يكون فى وسط البيدر حين يداس و الثيران حواليه و هو يرتكس، أى: يدور مكانه، و ران على قلبه: غطى