تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٧ - شهد شهد
سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [١] كأَنَّ أَرواحَهم أُحْضِرَت دارَ السَّلامِ أَحياءً، و أَرواحُ غيرِهم أُخِّرَت إِلى البَعْثِ. قال: و هََذا قولٌ حَسَنٌ. أَو لأَنَّه يَشْهَدُ مَلَكُوتَ اللََّه و مُلْكَهُ ، المَلَكُوت: عالَمُ الغَيْبِ المُخْتَصُّ بأَرْوَاحِ النُّفُوسِ. و المُلْكُ: عالَمُ الشَّهادةِ من المَحْسوساتِ الطّبيعيّة. كذا في تعريفات المناويّ.
فهََذه سِتَّةُ أَوْجُهٍ في سَببِ تَسمِيةِ الشَّهِيد . و قيل: لِقيامه بشهادَةِ الحَقِّ، في أَمْرِ اللََّه، حتَّى قُتِل. و قيل: لأَنّه يَشْهَدُ ما أَعدَّ اللََّهُ له من الكرامةِ بالقَتْلِ. أَو لأَنّه شَهِدَ المغَازِيَ. أَو لأَنّه شُهِدَ له بالإِيمانِ و خاتِمةِ الخَيْرِ بظاهرِ حالِه، أَو لأَنّ عليه شاهِداً يَشْهَدُ بِشَهادَتِه ، و هو دَمُه.
و هََذِه خَمْسَةُ أَوجهٍ أُخْرَى، فصار المجموع منها أَحدَ عَشَرَ وَجْهاً. و ما عدا ذََلك فمرجوعٌ إِلى أَحدِ هََؤلاءِ عند المتأَمِّل الصادق.
قال شيخُنا: و قد اختَلَفُوا في اشتقاقه، هل هو من الشَّهَادة ، أَو من المُشَاهَدة ، أَو الشُّهُود ، أَو هو فَعِيل بمعنَى مفعولٍ، أَو بمعنى فاعل. و ذكروا لكُلٍّ أَوْجُهاً. أَكثر [٢] ذََلك مُحَرَّراً مُهذباً الشيخُ أَبو القاسم السُّهيليّ في «الروض الأُنُف» بما لا مَزِيد عليه.
ج: شُهَداءُ ، و في الحديث: «أَرْوَاحُ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طَيْرٍ خضْرٍ تَعْلُق [٣] من وَرَقِ الجَنَّةِ» .
و الاسمُ: الشَّهَادةُ و قد سَبقَت الإِشارةُ إِلى الاختلاف فيه تقريباً.
و أَشْهَدُ بكذا: أَحْلِفُ. قال المصنِّف في «بصائِرِ ذَوِي التمييز» قولهم شَهِدْت : يُقال على ضَرْبَيْن: أَحدهما جارٍ مَجْرَى العِلْم، و بِلَفْظِه تُقام الشهادةُ ، يقال: أَشْهَد بكذا، و لا يُرْضَى [٤] من الشاهِدِ أَن يَقول: أَعلَم، بل يُحتاج أَن يقول أَشْهد . و الثاني يجْرِي مَجْرَى القَسَمِ، فيقول: أَشْهَد باللََّه إِنّ زيداً مُنْطَلِقٌ. و منهم من يقول: إِنْ قال أَشْهَدُ ، و لم يَقُل: باللََّه، يكون قَسَماً و يَجْرِي «عَلِمت» مَجْرَاه في القَسَم فيُجَاب بجواب القسم، كقوله:
و لقد عَلِمْتُ لتَأْنِيَنَّ عَشِيَّةً
و شاهَدَهُ مُشَاهدةً : عايَنَهُ كشَهِده .
و المُشَاهَدةُ : مَنزِلةٌ عالِيَةٌ من منازِل السَّالِكينَ و أَهْلِ الاستِقَامَةِ، و هي مُشاهَدةُ معاينةٍ تلبس نُعوتَ القُدُسِ، و تَخْرس أَلسنة الإِشاراتِ، و مُشَاهدة جمْعٍ تجْذب إِلى عَيْنِ اليَقِين، و ليس هََذا مَحلَّ إِشاراتها.
و امرأَةٌ مُشْهِدٌ ، بغير هاءٍ: حَضَر زَوْجُها ، و امرأَةٌ مُغِيبةٌ:
غابَ عنها زَوْجُها، و هََذه بالهاءِ: هََكذا حُفِظ عن العرب، لا على مذهب القياس.
و التَّشَهُّدُ في الصَّلاةِ، م ، معروف و هو قراءَة: «التَّحِيّاتُ للََّهِ» . و اشتقاقُه من أَشْهَدُ أَن لا إِلََهَ إِلاّ اللََّهُ، و أَشهد أَنَّ محمَّداً عبدُه و رسُولُه. و هو تَفَعُّل من الشَّهَادَةِ ، و هو من الأَوْضَاعِ الشّرعيّة.
و الشَّاهِدُ : من أَسماءِ النّبيِّ، صلى اللّه عليه و سلم ، قال اللََّهُ عَزَّ و جلّ إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً * [٥] أَي على أُمَّتِك بالإِبْلاغِ و الرِّسالَة، و قيل مُبَيِّناً.
و قال تعالى: وَ شََاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ [٦] قال المُفسِّرون:
الشاهد : هو النّبِيّ صلى اللّه عليه و سلم.
و الشاهد : اللِّسَانُ من قولهم: لفُلانٍ شاهِدٌ حَسَنٌ، أَي عِبارةٌ جَمِيلةٌ. و قال أَبو بكر، في قولهم: «ما لِفلان رُوَاءٌ [٧]
و لا شَاهِدٌ » ، معناه: ما لَهُ مَنْظَرٌ و لا لِسانٌ.
[١] سورة آل عمران الآية ١٦٩.
[٢] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله أكثر ذلك، كذا بالنسخ و لعل المراد: ذكر أكثر ذلك» .
[٣] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله تعلق كذا في اللسان أيضاً و في المصباح: علقت الإبل من الشجر علقاً من باب قتل و علوقاً أكلت منها بأفواهها و علقت في الوادي من باب تعب سرحت و قوله عليه السلام أرواح الشهداء تعلق من ورق الجنة قيل يروى من الأول و هو الوجه إذ لو كان من الثاني لقيل تعلق في ورق و قيل من الثاني، قال القرطبي: و هو الأكثر. اه» .
[٤] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله أو لا يرضى، لعل الصواب و لا يرضى» و هو ما أثبتناه.
[٥] سورة الأحزاب الآية ٤٥.
[٦] سورة البروج الآية ٣.
[٧] الرواء: المنظر، و كذلك الرِّئيُ، قال اللََّه تعالى: (أَحْسَنُ أَثََاثاً وَ رِءْياً» .