تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٠ - فصل
الشيطانية الوهمية، انقلبت إلى حقيقة الشياطين بالفعل و خرجت عن القوة و الاستعداد لها و لغيرها، و تمنّى الرجوع منهم إلى اصل الفطرة كما في قولهم فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً تمنّى امر مستحيل الوقوع، فلأجل ذلك قال تعالى وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ إذ المراد بهم أكابر المنافقين، و الراسخون في الكفر و النفاق و هؤلاء المتردّدين إليهم تارة و إلى المؤمنين اخرى من الأصاغر.
فصل
قوله: انّا معكم، أي في الضمير و عقيدته، و قد خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية و خاطبوا الشياطين بالجملة الاسمية المؤكدة «بإنّ» لأنهم قصدوا بالأولى إحداث الايمان، و بالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، و لأن أنفسهم لا تساعدهم على أن يكون ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بكونه أقوى الكلامين، لركونهم إلى أهل البطالة و الشهوة، و كراهتهم بالطبع عن لقاء اللّه و أهله، و القول الصادر عن الكراهة و النفاق.
فلما حصل معه المبالغة، فادّعوا عندهم حدوث الايمان لإكمال تحقّقه، بخلاف ما صدر عنهم عند إخوانهم لعلمهم أيضا بأن ادّعاء الكمال في الايمان، لا يروح على المؤمنين.
و أما كلامهم مع إخوانهم في إنكار الشريعة، فعلموا انّه مقبول عندهم بأي وجه كان من التأكيد، فأكّدوا القول فيه.
قوله جلّ اسمه: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ كأنه جواب عن سؤال الشياطين بأن قالوا انّا معكم: إن صحّ ذلك منكم فما بالكم تتردّدون إلى المؤمنين و توافقونهم في الكلام، و تدّعون الإسلام؟
فأجابوا بأنّا مستهزؤن بهم. أو تأكيد لما قبله، لأن المستهزئ بالشيء مصرّ على خلافه أو بدل منه لأن من حقّر شيئا فقد عظّم نقيضه.